فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 159

أما الفريق الآخر -وهم الأكثر- فقد استسلم لاشعوريًا للأساس الضمني في هذه الأبحاث وهو مركزية المدنية لكنه حاول -بحسن نية أيضًا- أن يذب عن دينه وتراثه وأمته بإثبات أن الوحي والتراث يتضمنان أولوية المدنية والحضارة أصلًا, ومن ثم تحول إلى هاجس التفسير المدني للتراث فأخذ يبحث داخل مضامين الوحي والتراث عن أية مشاهد تتوافق مع المدنية الحديثة, وانساق في نقد كل ما لا يتوافق معها داخل التراث, وأصبح مهمومًا بمعاتبة الإسلاميين للظهور بمظهر مدني يتناسب مع الذوق المدني الحديث.

وبطبيعة الحال فمع كل عمليات إعادة التأويل التي مارسها هذا الخطاب على الوحي والتراث بما تتضمنه من استحضار واستبعاد موجَّه لنصوص وأعلام معينين بهدف التوافق مع الصيغة المدنية الحديثة, فإن طبيعة الوحي والتراث في ذاتها تأبَّت على ذلك وبقي المضمون الجوهري للوحي حيًا لا يمكن تعتيمه, فمع كل النصوص التي ابتسروها مثلًا عن ابن رشد أو الشاطبي أو ابن خلدون أو ابن حزم أو غيرهم فقد بقيت نصوص هؤلاء ذاتها تنقض النتائج النهائية لهذه المدرسة, فضلًا عن صورة القرون المفضلة, بل فضلًا عن نصوص الوحي ذاتها, وسنحاول إيراد شئ من ذلك في موضع لاحق.

بل لقد أصبحت صورة الخطاب صورة تلفيقية باهتة تعاني في تركيبها الداخلي من هشاشة معرفية عميقة نتيجة كونها تعتمد على الانتقائية والتغييب دون منهجية أو معايير واضحة يمكن التحاكم اليها, بمعنى أنها أصبحت خليطًا من النتائج القابلة لإثبات العكس, فيستطيع خصوم الرؤية الإسلامية إضحاك القارئ عليها بكل بساطة, فالآيات الكثيرة في بيان مركزية الآخرة وذم الدنيا والرفاه, واللغة الغيبية في التعامل مع الظواهر, والمقياس الديني لصيغ العلاقات, وبيان انحطاط الكافر وأنه في منزلة الأنعام والدواب, واعتبار علوم الكفار علومًا ظاهرية, وشكل الحدود الجنائية الصريحة, وغيرها كثير لا تستطيع أن تقاومها كل تعسفات الخطاب المدني في إعادة تفسير التراث.

والمقصود هاهنا الإشارة إلى تطورات هذا الخطاب المدني الجديد وأن أكثر انحرافاته النهائية كانت مضاعفات يجمح بعضها ببعض, مع تفاوتهم فيها تفاوتًا هائلًا.

فبداية كثير من هؤلاء الكتاب -شهادةً لله- كانت بداية حسنة وهي أنهم رأوا أنه لا يمكن نشر رسالتنا الإسلامية وعزة مجتمعنا إلا بالإمكانيات والقدرات الحديثة, ثم تجارى بهم البحث في الحضارة والنهضة والإمكانيات الحديثة حتى جعلوها غاية في حد ذاتها بشكل عملي ضمني, ثم لما رأوا نقد الغرب يحوْل كثيرًا بين الشاب وبين الحضارة الغربية ويهز مرجعيتها بالغوا في التماس المعاذير لانحرافات الحضارة الغربية, وتلمسو الأدلة التي توافق ما هم عليه, ثم لما انهمكوا في تكييف الأحكام وفق نتائج الغرب اصطدموا بكثير من المفاهيم الشرعية ذات المنزع الديني/الغيبي كالإيمانيات والشعائر والأحكام الشرعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت