كثير من غلاة المدنية يميلون إلى تصوير الواقع الثقافي اليوم باعتباره مجرد"اختلاف فكري"ويحاولون دومًا تغييب"الدافع الديني"كعامل فاعل في رسم المسافات بين الفرقاء, صحيح أن هناك مساحة واسعة من الاختلاف الفكري هي"اختلاف اجتهادي"لايجوز شرعًا تصعيده إلى معاقد الولاء والمفاصلة, وصحيح أيضًا أن ثمة نزرًا من المتسرعين المنتسبين للإسلاميين تحت أقنعة إلكترونية مستعارة يفسقون ويضللون على أساس مسائل اجتهادية, هذا ما لا يجوز إنكاره.
ولكن عين الباطل سحب هذه التصور على كافة هذا الاختلاف بأريحية صالون ثقافي أو عرض أكاديمي, وتصور أن كافة الاختلاف الفكري اليوم إنما هو مجرد"اجتهادات ثقافية".
ومما بنوا على ذلك أنه يجب أن ننظر للكتاب المنتسبين للإسلام اليوم نظرة واحدة, ولايقبل التمييز والتفاوت بينهم على أسس دينية, فكل من انتسب للإسلام وجبت موالاته سواء كان معروفًا بالتقوى والفقه في الدين ونصر الإسلام أم كان معروفًا بالإعراض عن الوحي والقدح في قطعيات الشريعة, فكلهم مسلمون ومايطرحونه مجرد اجتهادات فكرية, ولذلك يتضايق غلاة المدنية من استحضار المفاهيم الشرعية كمفهوم الإفساد في الأرض ومفهوم النفاق ونحوها من المفاهيم أثناء بحث الشأن الثقافي.
والواقع أن هذه الرؤية تتضمن تغييب الكثير من معطيات الوحي, وسنشير إلى بعض ذلك:
فأولًا وقبل كل شئ يجب أن نقر أن ثمة قانون تاريخي وهو أنه لا يخلو زمان من وجود ظاهرة"خصوم الدين"ممن يجاهرون بمشاقة الله ورسوله, وقد كشف القرآن الكريم عن هذا القانون التاريخي كما قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِين}
وبين سبحانه نوعي الأعداء بقوله سبحانه:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ}
وهؤلاء الخصوم المحادين للدعوات الإلهية لا تكاد تخلوا منهم بقعة من الأرض كما قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا}
فهذه ظاهرة دل عليها الوحي وأكدها التاريخ, فلا يجوز اعتبار القضية كلها قضية فكرية لا صلة لها بالموقف من الدين والوحي.
ولكن مع يقيننا بهذه الظاهرة التاريخية الشرعية فإنه لا يجوز ربط التصنيفات الفكرية المحدثة بهذا الوصف الشرعي مطلقًا, فثمة في الساحة اليوم تصنيفات فكرية متعددة بعضها مستقى من مذاهب غربية وبعضها الآخر مستوحى من تجارب تراثية, وهناك جدل في إلحاق التكفير أو التفسيق أو عداوة الإسلام بمثل هذه