الألقاب, والواقع أن هذه التصنيفات الفكرية هي ألقاب محدثة أصلًا لا يعلق عليها مدح ولا ذم شرعي مطلق, وإنما المدح والذم الشرعي المطلق يكون بالأوصاف الشرعية التي علق الله ورسوله عليها الأحكام, في تفاصيل منظمة في باب الأسماء والأحكام من علم أصول الدين.
فالمدح والذم المطلق إنما يعلق باسم المحسن والمؤمن والمسلم والفاسق ومن في قلبه مرض والفاجر والمشرك والكافر والمنافق ونحوها, وتعيينها في الشخص المعين يكون باستفراغ الوسع في سبر تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
ولا يقال طبعًا إنه لا يمكن الجزم بمعرفة الإيمان مثلًا ونحوه من الأعمال القلبية, وأننا لم نؤمر بالتنقيب عن قلوب الناس, فإن الإيمان ونحوه من الأعمال القلبية له نوعان من الأحكام: أحكام أخروية كالجزم بمصير المعين في جنة أونار, فهذا إلى الله.
وأحكام دنيوية كالموالاة والشهادة له بالخير فهذا يعرف في الدنيا وتعلق عليه أحكامه بالنظر إلى آثاره والتوسم في أماراته وآياته في الشخص المعين, ولذلك قال تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الْكُفَّارِ}
فدل على إمكانية معرفة ظاهر الإيمان في الشخص المعين بالتوسم في أماراته, لا بالتنقيب عما استتر من مكنوناته.
ومما ينبغي التنبه له أن الولاء في الشريعة ليس على درجة واحدة كما يتوهمه غلاة المدنية, بمعنى ليس درجة واحدة يستوي فيها كل مسلم, بل الولاء للمسلمين درجات, فيتفاوت بحسب مافي المسلم من الإيمان والعمل الصالح وموالاة الوحي والقرون المفضلة, وهو نظير كون البراء والمعاداة تتفاوت بحسب ما في الكافر من مسالمة ومحادة ونحوها.
وهذا المعنى ظاهر في آيات القرآن وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه, وقد دلت على ذلك آيات"عامة"يدخل فيها المسلم وغيره, وليست مختصة بالكافر, فقد ذكر الله سبحانه أن المؤمن والفاسق وإن كانا يشملهما اسم الإيمان لكنهما لايكونان في منزلة واحدة كما قال تعالى:
{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ}
وقال تعالى في سورة الجاثية:
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
وقال تعالى في سورة ص:
{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ}