فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 159

ثم قال بعدها:

{أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}

ومن المعلوم أن مطلق الفسق واجتراح السيئات والإفساد في الأرض والفجور كلها لا تخرج المسلم بمطلقها من الإسلام، فيبقى صاحبها مشمولًا بهذا التمييز في المنزلة والمكانة عند الله, وميزان المسلم تبع لميزان الله تعالى.

وتفاوت الولاء فرع عن تفاوت المنزلة الدينية الظاهرة, ولذلك فإن الله تعالى فاوت الولاء بحسب منزلة المؤمن فقال سبحانه:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ, وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}

فانظر كيف جعل صيغة العلاقات تتفاوت بحسب التفاوت في درجة الإيمان والمجاهدة, فمن آمن وهاجر كانت له الموالاة التامة, ومن آمن ولم يهاجر نقصت ولايته بقدره, فكيف بمن اشتغل بإثارة المشتبهات وتزيين الفنون الغربية وتسويغ ما تضمنته من الفواحش والقيم المنحطة.

وهكذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في التعامل مع المسلمين في عصره فإنه يزيد في موالاة المسلم بحسب قيامه بشعائر الدين الظاهرة, وينقص في موالاته للمسلم بقدر نقصه في أمر الله.

ولذلك هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه خمسين ليلة -كما في البخاري ومسلم- حتى قال الطبري: (قصة كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي) .

ولما قالت زينب للنبي صلى الله عليه وسلم:"أنا أعطي تلك اليهودية"تعيب بذلك صفية, هجرها النبي زهاء شهرين فقد روى الامام ابوداود عن عائشة قالت:

(اعتل بعير لصفية بنت حيي, وعند زينب فضل ظهر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب: أعطيها بعيرا, فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر)

والحقيقة أن التطبيقات الخاطئة في فهم تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكياته في سيرته, خصوصًا في مثل هذه القضايا, يجب أن لا تدعونا للانقلاب على هذا الأصل كله, فقد كان هذا منهج أئمة القرون المفضلة فقد استفاض عنهم تفاوت الولاء بحسب قيام المسلم بالكتاب والسنة, ونقص موالاته بحسب ابتعاده عنها, وقد لخص الغزالي القدر المشترك في هذه الأخبار المستفيضة فقال في عبارته الجميلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت