فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 159

غلاة المدنية يكثرون من ذم الحفاوة بالجزئيات وتفاصيل الشريعة, وحين يناضل الفقيه الشرعي أو المفكر المسلم من أجل مسألة شرعية فإنهم يجابهونه بأننا يجب أن نرتفع عن الجزئيات ونهتم بالكليات, وأن المهم ليس أعيان المسائل وإنما المهم الأصول العامة, وأننا يجب ألا نغرق في الخاص ونهمل العام, ونحو هذه العبارات, وبعضهم يحاول أن يسند هذه الفكرة بنصوص تراثية من علم مقاصد الشريعة حول أهمية"الكليات الشرعية"وخصوصًا من رائد المقاصد الإمام الشاطبي رحمه الله.

والحقيقة أنه هذه النظرة للعلاقة بين الجزئي والكلي تنطوي على إهدار شئ من معطيات الوحي, بل تحولت إلى آلية منظمة لابتلاع المفردات الشرعية وتغييبها باسم العناية بالكلي والعام ونحوه.

ومن أهم أوجه الخلل في هذه الرؤية أنها غيبت دور الجزئي في حفظ الكلي, فافترضت أن الجزئي نقيض للكلي, والواقع أن الجزئي هو التحقق الواقعي للكلي, فكل تطبيق واقعي يحمل في مضامينه معنى الكلي, إذ الكلي انما هو القدر المشترك المستخلص من استبعاد العارض والطارئ وإبقاء المعنى المشترك.

فإذا عظمنا الكلي وغيبنا تطبيقاته تحول هذا التعظيم إلى تعظيم نظري شكلي لا حقيقة له, ولنضرب على ذلك مثلًا, فإنك تجد بعض الكتاب يقول لك يجب أن نهتم بالفضيلة كقيمة كلية كبرى لا أن نهتم بتطبيقاتها الجزئية, ثم يفتت كل الآليات التي تعزز هذه القيمة ويتسامح في فتح كل الذرائع التي تعارض هذه القيمة, ويدعي بعد ذلك أنه ينظر إلى"الفضيلة"كقيمة لا كتطبيقات, فهذا إنما حفاظه على كلي الفضيلة حفاظ نظري شكلاني غير حقيقي.

ومن ادعى تعظيم كلي"الدعوة والبلاغ"ولكنه استهان بقيمة أفراد وآحاد وسائل الدعوة الشرعية, فهذا إنما تعظيمه للدعوة تعظيم نظري غير حقيقي.

وعليه فكلما كان الإنسان أكثر تعظيمًا لجزئيات الشريعة كان أكثر تعظيمًا للكليات الضمنية فيها, وكلما كان الإنسان مستهينًا بجزئيات الشريعة كان أكثر استهانة بالكلي المتضمن فيها, فلا طريق لتعظيم الكلي إلا بتعظيم جزئياته وتطبيقاته, وبذلك يتبين أن دعاوى تعظيم الكلي التي يرددها غلاة المدنية إنما هي وسيلة لتفريغ الكلي من محتواه باسم تعظيمه.

وقد شرح الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات"دور الجزئي في إقامة الكلي"وذلك في فصل خاص عقده لهذه المسألة وساق فيه الأدلة, ومن ذلك قوله رحمه الله:

(فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي .. , وحين كان ذلك كذلك: دل على أن الجزئيات داخلة مدخل الكليات في الطلب والمحافظة عليها)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت