ثم أشار الشاطبي إلى كون الكلي إنما هو مجرد"مفهوم نظري"ولذلك كان جمهور المناطقة يؤكدون أن الكلي إنما يوجد في الذهن أما ما هو خارج الذهن فإنما هو تطبيقاته, وهذا يعني أن من عظم الكلي دون تطبيقاته فإنما عظم مفهومًا نظريًا ذهنيًا محضًا لا واقع فعليًا له, كما يقول الشاطبي في الاستدلال لهذه القضية:
(ومنها: أن الجزئيات لو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي لم يصح الأمر بالكلي من أصله, لأن الكلي من حيث هو كلي لا يصح القصد في التكليف إليه, لأنه راجع لأمر معقول لا يحصل في الخارج إلا في ضمن الجزئيات, فتوجُّه القصد إليه من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق, وذلك ممنوع الوقوع, فإذا كان لا يحصل إلا بحصول الجزئيات فالقصد الشرعي متوجه إلى الجزئيات, وأيضا: فإن المقصود بالكلي هنا أن تجرى أمور الخلق على ترتيب ونظام واحد لا تفاوت فيه ولا اختلاف, وإهمال القصد في الجزئيات يرجع إلى إهمال القصد في الكلي, فإنه مع الإهمال لا يجري كليًا)
ومن وجه آخر فان المتأمل في أخبار أهل الكتاب التي ساقها الله في القرآن يلاحظ أن أهل الكتاب كانوا يعظمون ويقدسون كتبهم السماوية, ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى ذمهم وعابهم, لأن تعظيمهم وتقديسهم لتلك الكتب السماوية إنما كان تقديسًا نظريًا وتعظيمًا شكلانيًا لا حقيقة له ولا أثر تطبيقي فعلي, فلم ينفعهم ذلك.
فليس المراد إذن"تقديس النص"شكليًا, أو تقديس المفاهيم نظريًا, وإنما إقامة الحقائق والمعاني واقعًا حيًا معاشًا.
ولذلك روى أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأصحابه: (يوشك أن يرفع العلم) قال له زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونُقْرئه أبناءنا، ويُقْرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(ثكلتك أمك يا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله, ثم قرأ: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ)
فكشف النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل زياد بن لبيد -وهو أنصاري مهاجري- أن القضية ليست في وجود النص وحفظ ألفاظه, وإنما في إقامته واقعًا حيًا معاشًا على الأرض, وإقامته لا تكون إلا بإقامة تفاصيله وتطبيقاته.
والمقصود أن مراعاة الجزئي هي الطريق لإقامة الكلي, وإنما يعاب الجزئي إذا صادم الكلي, أما إذا لم يصادمه ولم يعارضه فإن إهدارَه إهدارٌ للكلي كما سبق بيانه.