{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}
ومما هو لصيق الصلة بهذه الرؤية أنك تجد غلاة المدنية يتحدثون عن خيرية العالم المعاصر, وجمال الإنسانية المعاصرة, ونحو ذلك, ويعتبرون الحديث عن حجم الضلال"نظرة سوداوية"منعكسة عن رؤية همجية ونحو ذلك.
والواقع أن الحديث عن غلبة الفساد والضلال على العالم هي رؤية قرآنية تضافرت آيات القرآن على تأكيدها, ومن ذلك قوله تعالى:
{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]
وقوله سبحانه:
{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]
وقال سبحانه وتعالى:
{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20]
وجاءت كثير من آيات القرآن بنسبة أوصاف من الذم إلى أكثر الناس, فقال تعالى:
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} وقال سبحانه {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا} وقال سبحانه {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} وقال سبحانه {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ}
بل إن الله سبحانه وتعالى ذكر أنه لو آخذ الناس بكل ذنوبهم لما بقي أحد كما قال تعالى:
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ}
وقال سبحانه في موضع آخر:
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر:41 - 45]
ونحو هذه الآيات الكثيرة التي تكشف غلبة الضلال والفساد في جنس الإنسان بما يتناقض مع الرؤية الحالمة التي يروجها بعض غلاة المدنية.
وخلاصة الأمر أن مفهوم الأنسنة في هذا السياق ينطوي على استبعاد المضمون الديني من صياغة علاقاتنا بالآخرين, وهذا انحراف عن الوحي يؤول بصاحبه إلى مآلات خطيرة, نسأل الله أن يعفو عنا جميعًا.