التفصيلية والتصورات الغيبية ونحوها, فحاول الكثير منهم جعل كل هذه الشرائع مقصودها النهائي أصلًا عمارة الأرض وإقامة الحضارة, وهكذا بدأت هذه المفاهيم الشرعية تتناقص قيمتها في ظل"وسيليتها"المحضة, وتتضخم قيمة المدنية الغربية بحكم تحقيقها للمقصد النهائي وهو الحضارة, ثم تطور الأمر من الانبهار بالحضارة الغربية المعاصرة إلى محاسبة الحركة الإسلامية والقسوة عليها طبقًا للاقتراب والابتعاد عن الحضارة الغربية المعاصرة, ونشأ عن ذلك ظواهر انفصال وانشقاق ترتب عليها الابتعاد عن مقابس الإيمان والتخول بالذكرى، فأخذت جذوة الإيمان تخبو يومًا بعد يوم, وارتخى الانقياد وفقدت العبودية معناها.
ثم تطور الأمر بشكل أكثر سوءًا، وأصبح البعض يلتمس العوائق في مضامين الشريعة ذاتها, حتى وصل بعضهم إلى أن المشكلة في"السنة النبوية"وأنها صرفت الناس عن قضية الحضارة إلى الإغراق في التفاصيل الصغيرة, وهكذا يتسلسل الأمر من سيئ إلى أسوأ.
وكنتيجة مباشرة للمظالم الإنترنتية التي واجهها هؤلاء الكتاب في بدايات كتاباتهم -كنسبة لوازم لم يلتزموها وتضليلهم بها أو ربطهم بجهات خارجية فريةً وبهتانًا- فإن كثيرًا منهم قادته مناكفة الخصوم تدريجيًا إلى الانقلاب على الرؤية الإسلامية والرغبة الدفينة الملحة في تأكيد المباينة بمناسبة وبلا مناسبة, حتى آل الأمر بكلا الفريقين المتباغيين إلى الاستقواء بأحد جناحي السلطة ضد الفريق الآخر.
والحقيقة أن وقوع بعض المنتسبين للاحتساب في بعض البغي هو مما جرت به سنة التاريخ, وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كثير من كتبه, ومنه قوله:
(وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم, وإما على نوع من المبتدعة, بزيادة على ما أمر الله به, وهو الإسراف المذكور في قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) الفتاوى (14/ 483)
بل وطائفة من هؤلاء يشنع أحيانًا فيما ليس معه فيه برهان, بل قد يكون الراجح مع من خالفه, كما قال الامام ابن تيمية في واقعة مشابهة:
(وطائفة ممن يقول بأن النبي"رأى ربه بعينه"يكفرون من خالفهم, لماظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة, كما فعل"أبوالحسن علي بن شكر"فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه من السنة, وقد يكون مخطئا فيه, إما لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة, أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده) الفتاوى 16/ 433