وسبب ذلك أن المضامين الرئيسية المكتوبة في هذه الحقول إما لائكية محضة وهو الأكثر, وإما كتابية محرفة وهو الأقل, بل هو النادر, على أن من ورث فيهم شيئًا من الكتابية المحرفة خير ممن بقي على اللائكية الخالصة, فإن بركة بقايا النبوات وما فيها من النور خير من العمى التام, فالمتمسك بالمسيحية المحرفة أشرف وأرفع في ميزان الله من الكافر المحض, فنصوص الوحي متضافرة على تفضيل الكتابيين على الدهرية الملاحدة, وهذا من بركة بقايا النبوات التي بأيديهم, فالكتابي خير من المجوسي, والمجوسي خير من الملحد, لأن المجوسي معه شبهة كتاب والملحد لا كتاب له, ولذلك قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (أضل أهل الملل مثل جهال النصارى وسامرة اليهود: أعلم من الفلاسفة, وأهدى وأحكم, وأتبع للحق) .
وقال الإمام ابن تيمية أيضًا: (ومن المعلوم أن المشرك إذا تمجَّس, والمجوسي إذا تهوَّد, حسنت حاله بالنسبة إلى ما كان فيه قبل ذلك) .
ومما يجدر الإشارة إليه أن هذا الوجه الفلسفي ليس هو الوجه المتقدم في الحضارة الغربية أصلًا, بل هو الوجه الظلامي المتخلف المنحط, برغم محاولات كثير من غلاة المدنية الزعم بأن التطور الغربي انعكاس لفلسفته, وهذا مجرد أمنية تاريخية.
والواقع أن التفوق المدني الغربي اليوم عائد للثورة الصناعية في المرحلة السابقة, ثم الثورة التكنولوجية ونظم الاتصال والمعلوماتية حاليًا, وهذه كلها نتاج عرق المعامل والتمويلات السياسية الضخمة لمراكز البحوث, وغاية الفلسفة أن تكون تفسيرًا استرجاعيًا لما حدث, فهي دومًا تفسير لاحق للأحداث تحاول اعطاءها المعنى بعد أن تقع, فأفضل حالاتها أن تكون"حكيم بعد الحادث", وهذا سبب تراجع أهميتها المعرفية.
بل إن من أسباب تراجع أهميتها المعرفية عدم قدرتها على خلق"قوانين مطردة"تحقق لها العلمية، ولذلك فهي تعاني من عقدة نقص تاريخية قديمة أمام العلوم الطبيعية التي تفرض احترامها المعرفي بسبب ما تحمله من القوانين العلمية المنظمة, ولذلك كثرت الصيحات الغربية في الفترة الأخيرة بإعلان موت الفلسفة, وانجفلت التطلعات الثقافية إلى العلوم الإنسانية، ولا سيما بعد أن قدمت لها البنيوية شبه اطراد عبر استعارة النموذج الألسني كما أشار إلى ذلك تحديدًا كلود ليفي شتراوس وغيره.
وسبب هذا الوهم حول عظمة الفلسفة أن كثيرًا من مثقفي غلاة المدنية تأثروا بالكتابات التعليمية عن"قصة الفلسفة"والتي صورت التاريخ البشري كنتاج مباشر لأفكار بضعة عشر فيلسوفًا على مر التاريخ,