وكأن التاريخ الإنساني عمومًا والتاريخ الأوروبي خصوصًا مركبة يتربع في كابينتها طائفة من الفلاسفة يخلف بعضهم بعضًا يشيرون للمجتمعات أن تذهب يمنة أو يسرة!
والواقع أن الكتب الفلسفية ذات الطابع التعليمي عبثت بتفكير غلاة المدنية كثيرًا, فهذه الصورة المرتسمة في أذهانهم وهْم طريف يغيِّب دور العوامل التاريخية الجوهرية في صناعة الماضي والحاضر, كدور القيادات السياسية والخبراء والأعمال الأدبية الكبرى والعواطف الشعبية, فضلًا عن دور الإعلام الحديث ونظم الاتصال وتوازنات القوى والشركات المتعددة الجنسيات ومتغيرات الموارد ونحوها.
بل هذه الرؤية المدرسية الساذجة غيب دور النبوات في تشكيل التاريخ, ولذلك تنبه المؤرخ الشهير توينبي إلى دور النبوات كعامل رئيس في صناعة التاريخ فقال (التحول الديني كان حقيقة مبدأ كل شيء في التاريخ الانكليزي) .
وقبل توينبي نبه على هذه العامل الحاسم ابن خلدون في مواضع كثيرة من المقدمة ومنها قوله:
(الدول العامة الاستيلاء، العظيمة الملك, أصلها الدين, إما من نبوة أو دعوة حق) .
وقال الإمام ابن تيمية في الصارم المسلول:
(ليس في الأرض مملكة قائمة إلا بنبوة أو آثار نبوة, وإن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات, ولا يستريبن العاقل في الأقوام الذين درست النبوة فيهم كالبراهمة والمجوس) .
وهذا التفاوت بين الإبداع العلمي والانحطاط الفلسفي هو الغالب على الأمم التي اعتنت بالمدنية وأعرضت عن النبوات, فهو شأن تاريخي متكرر أصلًا, ولذلك لما كانت الحضارة الاغريقية مفلسة من مضامين الوحي غنية بالعلوم المدنية تشكلت فيها ذات الصورة, ويلخص الإمام ابن تيمية هذا المشهد بقوله:
(فإن القوم-أي الفلاسفة- لا يعرفون الله, بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير, لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية, وهذا بحر علمهم وله تفرغوا, وفيه ضيعوا زمانهم, وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جدًا, وأما ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد فلا يعرفون ذلك ألبتة)
وقال الإمام ابن تيمية أيضًا عن رمز الفلسفة اليونانية:
(وأرسطو المعلم الأول من أجهل الناس برب العالمين إلى الغاية)
والحديث عن هذه الإشكاليات الفلسفية يطول ومن الأفضل أن نرجئه إلى الجزء الثاني الذي هو عن علاقة الخطاب المدني بالفكر الحديث لكونه أكثر مناسبة.