والمهم هاهنا أن نشير إلى أن هذا الباب الفلسفي تجد عموم الإسلاميين فيه حذرين أشد الحذر, لأنهم ولله الحمد موقنون أن مضامين وتصورات الوحي أهدى وأحكم.
بل إن كثيرًا من حقائق الوحي في هذا الباب الفلسفي لا تعرفها الفلسفة الغربية المعاصرة أصلًا, أو لديها حوله معلومات مشوهة, كباب الإلهيات, وما يتضمنه من معرفة الله وما ينبغي له معرفة صحيحة, والعوالم الغيبية وتقدير كل شئ في اللوح المحفوظ, وجريان السنن الطبيعية بغايات إلهية, وأثر العبادة في النواميس الكونية, وحركة القلب بالتزكية كالتوكل والافتقار والضراعة, ونحو هذه المعاني التي هي التنوير الحقيقي, كما قال تعالى في هذه المقارنة بين تنوير الوحي وظلامية ما يعارضه:
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122]
و قد أشار الامام ابن تيمية الى هذا التنوير المستمد من الوحي فقال:
(وعند المسلمين من"العلوم الإلهية"الموروثة عن خاتم المرسلين ماملأ العالم نورا وهدى) الفتاوى 2/ 84
وأما الوجه الثالث فهو"الوجه السياسي"للحضارة الغربية وهو الوجه الكالح بكل معنى الكلمة, فالمؤسسة السياسية الغربية مؤسسة إمبريالية استعمارية تمتص ثروات الأمم الأخرى, وليس لديها أية حواجز أخلاقية أمام مصالحها, فهي ديمقراطية شفافة في السياسة الداخلية, ديكتاتورية معتمة في السياسة الخارجية.
والمؤسسة السياسية الغربية هي التي خلقت أبشع النماذج الدموية في التاريخ, وهي المسؤولة عن تطوير أدوات الابادة البشرية الشاملة, والمعتقلات اللاإنسانية, وقصف المدن الكاملة بما فيها من المدنيين, كيف تبرأ تلك الحضارة من عقدة الذنب وهي تتذكر عصر العنصريات والقوميات والنازية وهيروشيما ونجازاكي واستعمار الدول العربية وغوانتنامو وأبو غريب, والأسلحة النووية والغازات السامة, وإيقاف تحقيقات الفساد لأجل مصالح قومية عليا, بل وسن تشريعات حرمان المسلمة من حجابها, ورعاية مؤسسات صحفية تسخر بنبي يؤمن به شطر العالم.
على أية حال .. هذه الوجوه الرئيسية الثلاثة للحضارة الغربية إنما هي نماذج فقط, وتبقى هناك حقول أخرى لا يتسع هذا الجزء لتفصيلها كالعلوم الإنسانية والفنون ونحوها, وهذه النماذج كافية في الدلالة على المقصود بأن الإسلاميين لديهم موقف تفصيلي يميز المفيد من الضار وليس كما يتصوره غلاة المدنية.
-الركيزة الثالثة: التمييز بين الانتفاع والانبهار: