غلاة المدنية يتوهمون أن هناك تلازم بين الانتفاع والانبهار, وأنه لكي نستفيد من الحضارة الغربية يجب أن تمتلئ أشداقنا بتأوهات التعجب, وأن نفغر أفواهنا ونحن نسوق فلسفتهم, وأن نحوط أسماءهم وأعلامهم بهالة التعبيرات الخارقة, ولذلك يطلق بعضهم عبارة"المعجزة الغربية"أو"معجزة الحداثة"ونحوها.
وتفريعًا على ذلك ينظرون إلى أي ذم أو انتقاص لواقع الحضارة الغربية على أنه رفض للانتفاع بما لديها من صواب! ويتبرمون بأي تعبير ديني في توصيف الحضارة الغربية كوصفها بالضلال والفجور والفواحش والكفر وأمثالها من التعبيرات الشرعية, ذلك أن هذه المفاهيم وأمثالها مشبعة بحمولة دينية وهم يريدون التعامل بلغة مدنية تستبعد المحتوى الديني من التقييم.
والواقع أن عدم فهم غلاة المدنية للموقف الشرعي إزاء الحضارات هو سبب عدم فهمهم للموقف الإسلامي المعاصر من الحضارة الغربية, فليس في الشريعة تلازم مطلق بين الانتفاع من الآخر والانبهار به, بل الموقف الشرعي بخلاف ذلك أصلًا.
فالنبي صلى الله عليه وسلم استفاد من الحضارة المعاصرة له في الخندق ومشروعية الغيلة والتبادل التجاري وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين وراسلهم واتخذ خاتمًا لمراسلته كما هي عادتهم وقبل هداياهم كما قبل هدية ملك أيلة والقبط وأكل من طعامهم ولبس من منسوجاتهم وشارك يهود خيبر في نخيلهم وغير ذلك من أوجه التواصل الشرعي لكنه مع ذلك كله بين ضلالهم وانحطاطهم وظلاميتهم بسبب إعراضهم عن نور الوحي, كما قال صلى الله عليه وسلم عن الفترة التي سبقت بعثته: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الكتاب) رواه مسلم.
وقال تعالى:
{كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}
وقال سبحانه وتعالى:
{هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ}
فبين سبحانه أن هذه الأمم التي عاصرته كلهم في ظلمات, وأنهم هم الظلاميون الذي يحتاجون التنوير الحقيقي الذي هو نور الوحي.
هذه التمييزات المنهجية الثلاثة وهي: التمييز بين الحضارة كغاية والحضارة كوسيلة, والتمييز بين الوجه العلمي والفلسفي والسياسي للحضارة المعاصرة, والتمييز بين الانتفاع والانبهار, هي المفتاح الرئيس لفهم موقف الإسلاميين المعاصرين من الحضارة المعاصرة, ومن استوعبها علم قطعًا جهل من يقول ان