{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ, إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ, الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} [6 - 8]
ويصف القرآن قصورهم ومنشآتهم الضخمة وبطشهم العسكري في سورة الشعراء فيقول سبحانه:
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ, وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ, وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [128 - 130]
هذه المظاهر المادية حجبت عيونهم بعصابة الزهو, حتى تساءلوا أمام نبي الله ذلك السؤال المنتفش بالغرور المجوف فقالوا بكل غطرسة سياسية:"من أشد منا قوة؟"
كما حكى الله سبحانه مقالتهم هذه:
{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ , وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟} [فصلت:15]
بالله عليك .. أعد التأمل في تساؤلهم المغرور"من أشد منا قوة؟"
ثم انظر إلى جواب جبار السموات والأرض بعظمته الإلهية إذ يرد عليهم قائلًا سبحانه:
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً!}
إمكانياتهم المادية طاشت بهم فوق طواويس الغرور, فألقو رزانة الإيمان وكذبوا بلقاء الله بكل بجاحة, وقالوا مستهترين:
{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ , هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون:35 - 36]
وكانت"الطبقة المترفة"في قوم عاد -كما هو قانون التاريخ- أشد المعارضين لدعوة الوحي, كما قال تعالى عنهم في سورة المؤمنون:
{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَاكُلُ مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون:33]
ولم تغرب شمس عاد في كارثة أعاصيرها المعروفة التي دامت أسبوعًا إلا وكانت حضارة المدائن في الحجر شمال الجزيرة العربية قد بزغت وأعادت مسلسل الغرور بمظاهر القوة المدنية المادية.
فقد تمتعت ثمود أيضًا بالخلافة في الأرض بعد قوم عاد, وأوغلوا هم أيضًا في فنون النحت والعمارة, وبعض آثارهم الباقية اليوم شاهدة بما غاب من مدنيتهم, وقد قال تعالى عن خلافتهم وقصورهم:
{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ, وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا, وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف:74]
وقال تعالى في سورة الشعراء واصفًا رفاههم ونحتهم:
{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ, فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ, وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ, وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء:146 - 149]
وكان إبداعهم في نحت الجبال يوفر لهم استقرارًا أمنيًا كما أشار تعالى في سورة الحجر بقوله:
{وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر:82]