وثانيهما: منهج"تعظيم العبودية"ويستهدف هذا المنهج تربية الناس -والشباب خصوصًا- على ماتواتر عليه القرآن والسنة وفقه القرون المفضلة من"تعليق القلوب بالآخرة", والاستعلاء على حطام الدنيا وزهرتها, واعتبارها مجرد وسيلة نحرص عليها لننصر مبدأنا لالكونها عظيمة في ذاتها, وترسيخ هذا المعنى في النفوس.
فإذا امتلأ قلب الشاب المسلم بمعاني"تعظيم الآخرة ووسيلية الدنيا"أصبحت القرون المفضلة في وعيه أرقى المجتمعات وأشرفها بمابلغته من تنوير العلوم الالهية ومنازل العبودية ثم الاجتهاد في تحصيل وسائلها الدنيوية مع عدم الركون إليها, وأصبح المجتمع الغربي في نظره حالة من الانحطاط والظلامية بسبب ماسُلِبه من تنوير العلوم الالهية والاعراض عن الله, والاستغراق في تدبير المعاش الحاضر وعلم ظاهر الحياة والدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون, وهذا المنهج أخذ به جماهير الاسلاميين اليوم ولله الحمد.
والواقع أنه عند التأمل والتدبر يكتشف الانسان -بكل بداهة- أن المنهج الثاني هو المنهج الذي أخذ به النبي صلى الله عليه وسلم, وربى أصحابه عليه.
فإن أصحاب النبي رضوان الله عليهم لم يستطيعوا أن يدكوا حضارة فارس والروم إلا حين زكى النبي صلى الله عليه وسلم نفوسهم وربى فيهم تعظيم الآخرة ووسيلية الدنيا, والشموخ بالعلوم الالهية, فرباهم على ذلك بكل حدث يمرون به, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل الأحداث والوقائع لترسيخ معنى ارادة الله والدار الآخرة في نفوس أصحابه والاستعلاء على مظاهر الدنيا واعتبارها مجرد وسيلة لبناء المستقبل الأخروي.
والشواهد والمستندات التي تؤكد أن هذا المنهج هو"المنهج النبوي"في مقاومة تهديدات الهوية كثيرة جدًا, بل أكثرها يعرفها القارئ الكريم, ومنها على سبيل المثال أنه حين مر النبي صلى الله عليه وسلم بالجدي الأسك استغل الحادثة وربى في أصحابه حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة, فكما روى مسلم من حديث جابر:
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلا من بعض العالية, والناس كنفته, فمر بجدي أسك ميت, فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء, وما نصنع به. قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا والله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت؟! فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) .
وحين أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية, أعاد ذات الدرس عليهم, فكما روى البخاري عن البراء بن عازب قال:
(أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سرقة من حرير, فجعل الناس يتداولونها بينهم ويعجبون من حسنها ولينها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون منها؟ قالوا: نعم يارسول الله. قال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة خير منها)
وحين تضايق عمر من بذاذة بيت رسول الله بالنسبة الى قصور الحضارات الأخرى, رباه النبي صلى الله عليه وسلم بحزم على هذا المعنى, حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب أنه قال: