(رفعت رأسي في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أُهبًا ثلاثة, فلما رأيت أثر الحصير في جنبه قلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله, فاستوى النبي جالسا ثم قال: «أفي شك أنت يا بن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» )
هذا الحوار العظيم بين النبي وعمر من أدق المشاهد التي تحكم بين المنهجين السابقين وتفصل فيهما, فحين عبَّر عمر عن تألمه وهو يقارن"المظاهر الدنيوية"في الحضارة الفارسية والرومية بمحدودية المجتمع الاسلامي, لم يعبر له صلى الله عليه وسلم عن"تعظيم الدنيا"ليداري سطوة الحضارة عليه, فلم يقل له النبي إن لدينا نصوصًا كثيرة في فضل عمران الدنيا ونحن نسعى لبنائها أيضًا.
بل بالعكس من ذلك تمامًا, فقد حذره من أن يغتر بتلك المظاهر المدنية الدنيوية, وأعاد تذكيره بقطب رحى الاسلام"مركزية الآخرة", وخاطبه بعبارة شديدة فيها استعظام لموقف عمر, فقال له «أفي شك أنت يا بن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا»
وفي رواية أخرى في الصحيحين أن النبي قال له: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» .
هذه هي التربية النبوية, وهذا هو منهج النبوة في مقاومة سطوة الحضارات الأخرى, أما إذا أكدنا للمتسائل عظمة الدنيا فقد أججنا دوافع الانبهار أصلًا, وصببنا الزيت على النار, ذلك أن استعظام دنيا الكفار لايعالج بـ"تعظيم الدنيا", لأنه وبكل بساطة لايعالج الأثر السلبي بتكريس دوافعه! فهل عالج القرآن الركون بتأكيد احترام الاسلام للدعة؟ وهل عالج القرآن التثاقل الى الأرض عن الجهاد بتأكيد احترام الاسلام لجبلَّة كراهية القتال؟ وتأمل في كل الآثار السلبية لاتجد القرآن يعالجها بتأكيد دوافعها, وهذا أمر ظاهر.
وإنما يحسن بيان"أهمية الدنيا"في حالتين فقط: إما أن يوجد مثقف يظن أن الاسلام يدعوا للرهبنة وتحريم الطيبات والرفاه, فهذا يبين له أن الله أمر المؤمنين بماأمر به المرسلين من أكل الطيبات, وأن الله لم يحرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق, وأنه من أَخذ المال بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع, وأن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه, ونحو ذلك.
وأما الحالة الثانية: فهي أن يوجد شاب متحمس يظن أن العمل للاسلام لايستحق تحصيل الأسباب والسعي فيها وأنه ليس ثمة سنن كونية للنجاح الاصلاحي, فهذا يبين له أمر الله باعداد القوة واتخاذ الأسباب, وأن مالايتم الواجب الا به فهو واجب, وأن النبي ظاهر بين درعين, وقال ألا إن القوة الرمي, وأن قوم شعيب قالوا (ولولا رهطك لرجمناك) , ونحو ذلك.
فمثل هذين الحالين -وان كانا ليسا شائعان بحمد الله- يحسن فيهما بيان أهمية الدنيا لايخالف في ذلك أحد من فقهاء الاسلام, أما تحويل الخطاب الديني كله إلى شحن قلوب الناس والشباب المسلم بتعظيم الدنيا والمغالاة في قيمة المدنية المادية واقرار كونها المعيار في تقييم المجتمعات والشخصيات فهذا انحراف مصادم للمنهج القرآني والتزكية النبوية وهدي القرون المفضلة.