فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 159

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}

فهانحن نرى أن العقوبات الدنيوية إزاء الانحراف الديني ليست تفسيرًا ميثولوجيًا أو خرافيًا, بل هي أحد المكونات الرئيسية لحركة التاريخ في التصور القرآني.

وبعض غلاة المدنية يردد دعوى مفادها أن (المعاجلة بالعقوبة استثناء لا ظاهرة تاريخية) ، والحقيقة أن إهلاك الأمم المتجبرة المعرضة عن الوحي وطاعة الله ورسوله ومعاجلتها بالعقوبة ليس استثناء في مدونة التاريخ, أو حادثة شاذة خارقة للعادة, بل إن المعطيات التاريخية التي يقدمها القرآن تكشف أنه ظاهرة تاريخية فعلية! كما قال تعالى:

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء: 17]

ويذكر الله الأمم السابقة وكيف شملهم بنوعي العقوبة الدنيوية والأخروية فيقول تعالى:

{كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ, فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ}

ثم إن تلك الشعوب السابقة في التاريخ الإنساني كانت تمتلك إمكانيات مدنية وقوة اقتصادية وموارد هائلة ومع ذلك حين سخط الله عليها عاجلها بالعقوبة الدنيوية بسبب ذنوبهم كما قال تعالى:

{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} [الأنعام:6]

ويسرد القرآن شيئًا من عقوبات الأمم السابقة فيقول:

{فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا, وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ, وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ, وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا}

وانظر إلى مشهد الخراب المروع الذي يصوره القرآن وهو يقول:

{فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج:45]

فهذه الرؤية التي يتصورها غلاة المدنية تتضمن أن الإيمان والعمل الصالح والعبودية ليس لها آثار اجتماعية خارجية منفصلة, بل آثارها ذاتية خاصة, وهذا تصور مناقض للمحكمات السابقة, وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى شيء من ذلك فقال في الصفدية:

(فقد علم بالاضطرار من النقل المتواتر, والتجارب المعروفة, أن الأعمال الصالحة توجب أمورا منفصلة من الخيرات في الدنيا, وأن الأعمال الفاسدة توجب نقيض ذلك, وأن الله تعالى عذب أهل الشرك والفواحش

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت