فإذا كان نفوذ المخاطبين كاد أن يبلغ تأثيره سيد المرسلين لولا العصمة الربانية فكيف يأمن من بعده ذلك؟
وقد أشار القرآن إلى هذا الإلحاح بتبديل الوحي كما قال سبحانه في سورة يونس:
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ, قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ, قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي, إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ}
وكرر الله ذات التنبيه إلى خطورة"سلطة المخاطبين"فقال في سورة المائدة:
{وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}
مع أن هذه الآية تحكي صفقة على"بعض الوحي"وليس"كل الوحي"إنما هي مجرد"تحوير"بعض الأحكام والتصورات فقط, ولكن الله سبحانه وتعالى مع كل ذلك نبه نبيه وحذره وسمى ذلك"فتنة", وقد أجمع أرباب الطريق إلى الله على أن"الفتنة"موضع الابتلاء والامتحان والاختبار.
وليس المطلوب فقط هو الامتناع عن التنازل عن بعض مضامين الوحي, بل نحن مطالبون بقدر زائد على ذلك, وهو الفخر بهذه المضامين, والشموخ بها, وعدم التحرج منها, كما قال سبحانه في مطلع الأعراف:
{كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ}
وجعل الرضا بالحكم الإلهي وتصورات الوحي والخلوص من التحرج منها معيار"الإيمان"كما قال سبحانه:
{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
ففي هذه الآية أكد هذا الشرط للإيمان بأنواع من الأدوات الألسنية لترسيخ المعنى كالقسم والنفي والتعقيب والتكرار والاسم المطلق وغيرها من الصيغ اللغوية للتأكيد مما هو مبسوط في مطولات المفسرين.
وهكذا تمضي آيات القرآن تثنّي مرة بعد مرة هذا التنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم عن خطورة ضغوط أهواء المخاطبين كما قال سبحانه في سورة المائدة:
{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ}
وفي لغة تحذير مدوِّية يضطرب لها قلب القارئ يقول سبحانه:
{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ}