هذا التأكيد الإلهي البليغ المتكرر حول الصراع الشرس بين هذين القطبين"هوى المكلفين"و"كتاب الله"وأثر ذلك على الداعية المبلغ عن الله سبحانه ليس مجرد ملحوظة فكرية تُحتسى في مقهى مسائي, بل هي قاعدة عميقة نابعة من عظمة العلم الإلهي بسنن الدعوة وتبليغ الدين.
ويعيد سبحانه وتعالى ذات التأكيد على تعارض هذين القطبين"الهوى البشري"و"الوحي الإلهي"فيقول سبحانه في سورة القصص:
{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ}
ويشير سبحانه إلى ذات التعارض فيقول في سورة الشورى:
{وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ}
والمواضع التي نبه الله نبيه فيها إلى خطورة سلطة المخاطبين, وضخامة نفوذهم على الداعية كثيرة جدًا, ومن تدبر هذه المواضع, وقلَّب وجوه معانيها, ورأى ما فيها من تكرر الإشارة إلى مشقة مواجهة الهوى البشري على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتحذير الله سبحانه من الاستجابة لضغط أهواء الناس في تغييب بعض حقائق الوحي, ورأى كثرة ربط الله سبحانه بين النقيضين أهواء المكلفين وكتاب الله: انكشف له سر تعقيب الله سبحانه بذكر"الصبر"بعد ذكر"اتباع الوحي"وذلك في قوله سبحانه في سورة يونس:
{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ}
فعلًا .. ما أحوج من أراد أن يجمع الوحي كله إلى"مقام الصبر", الصبر على تعارض الوحي مع الهوى البشري, الصبر على تثاقل النفوس وتمنعها بحبال مألوفاتها, الصبر على الإلحاح النفسي الرهيب الذي يدفع الداعية إلى تلبية ما ينتظره الجمهور منه وإن كان لا ينسجم مع ما تمليه آيات الوحي.
وإن لم يعتصم العامل للإسلام بمقام"الصبر"فسيقع حتمًا في سوق النصوص تجاه مراعي الشهوات الأرضية, بدل أن تعرج به هي في مدارات العبودية.
وأحيانًا كثيرة لا يقع العامل للإسلام تحت ضغط الرغبة في هداية الناس, بل يقع ضحية تحاشي السخرية والاستهزاء, ذلك أنَّ من الملاحظ عند بعض غلاة المدنية أنهم يضعون كثيرًا من المفاهيم والمصطلحات الدينية والتراثية الجادة في قالب ساخر أثناء أطروحاتهم النقدية, والواقع أن السخرية والاستهزاء من أمضى أدوات النفوذ والتأثير على الآخرين, ذلك أنها من أشد الأمور إيلاما لأصحاب المروءة, فتحجزهم عن كثير من المواقف تحاشيًا أن يقعوا في مثار سخرية أو موضع استخفاف, ولذلك نبه الله الرسل والمصلحين على استغلال خصوم الدعوات الإلهية لهذه السلطة, فقال تعالى:
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ}