فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 159

أدوات العلوم الانسانية المعاصرة يضيف الى ذلك فاصلًا تاريخيًا وهو قوله"العلوم الإنسانية ما بعد العام 1950 م"ولا أدري لماذا هذا التاريخ التوقيفي, لكن هذه هي الدعوى على اية حال.

بمعنى أن تفسر تشكلات التراث على أنها مدفوعة بصراع سلطة أو مزاحمة سيادة أو احتفاظ بالجمهور أو أهداف بزنسية أو صفقات تسويقية, فمن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب مرورًا بالشافعي وانتهاء بالدعاة المعاصرين تفسر كافة تمظهرات الخطاب على أنها مجرد موازنات سياسية وحسابات اجتماعية محضة.

وهكذا تنطلق صافرة الأنسنة في لحظة إطلاق رصاصة الموت في دماغ التفسير الأخلاقي والديني, فحين تجمع الوقائع بطريقة موجهة وتربط بدوافع سياسية وخلفيات اجتماعية تذوي منزلة رموز الإسلام, وتسقط الثقة بمايقولون, ويزدرى ما يحملون, وينظر لمواقفهم البطولية على أنها مجرد استماته في حظوظ النفس, وهكذا ينقطع عن المنابع وُرَّادها, وتموت وظيفتها في القيام بدورها في شحن الشاب وتزويده بالمضامين الإسلامية.

الأنسنة في الخطاب العربي المعاصر لم تستوعب مفهوم الأنسنة فعلًا كما هو في ذاته, صحيح أن هناك في المقابل مبالغات ساذجة في تصوير التاريخ ترنسندنتاليًا باعتباره مجرد معطيات متعالية لا صلة له بالتركيب البشري, لكن هذا لا يعني الانقلاب للجهة الأخرى.

العلمانيون العرب يتبرمون كثيرًا من إمكانية اعتبار الدين والأخلاق والإيمان محركًا للتاريخ, بل يعتبرون التاريخ محكوم دومًا بدوافع غريزية محضة, إما مادية أو سيادية أو غيرها, أما الخطاب الديني والأخلاقي فهما مجرد بنية فوقية معلنة تخفي الدوافع التحتية الحقيقية.

لقد بلغت الأنسنة العربية مراحل مزرية تستدعي الرثاء, فحرب أبي بكر للمرتدين هي محاولة مادية لتمويل الخزينة, وعثمان وعلي مجرد طامحين للسلطة, والفتوح الإسلامية كلها حركات إمبراطورية توسعية, والشافعي مهجوس بشكل مضمر بعرقلة نفوذ السلطة السياسية لسلطته العلمية, ومحمد بن عبدالوهاب مسعور بالمزيد من الجغرافيا, وآباء الحركة الإسلامية الروّاد يسعون بشكل مكشوف للوصول للسلطة, والدعاة المعاصرون كلهم يبحثون عن بريق الإعلام والقنوات الفضائية.

حالة الافلاس في الخطاب العربي المعاصر تستدعي النظر بعين الرحمة والإشفاق والشكر لله على تجاوز هذه النظرة المرضية الهوسية للآخرين, أتساءل أحيانًا لماذا لايفكر العلمانيون العرب بأن هؤلاء الرموز قد يكونون مدفوعين بدوافع روحية وأخلاقية؟ خصوصًا أن كثيرًا منهم ضحى بحريته أو روحه التي بين جنبيه, لكن ربما أن من لم يتذوق الدافع الأخلاقي في نفسه فلا يمكن أن يقرأه في تصرفات الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت