فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 159

فضلًا عن أن هذا التفسير لدى العلمانيين العرب ينم عن جهل مطبق بمفهوم الأنسنة ذاته, فمقتضى الأنسنة هو النظر إلى الإنسان بما هو إنسان, ولاشك أن من أقوى مكونات الإنسان المكون الديني والأخلاقي والروحاني, فاستحضار بقية مكونات الإنسان وتغييب بعضها الآخر هل يستحق أن يسمى أنسنة أم يسمى اختزالًا للإنسان؟

وباختصار شديد تحولت تقنيات الأنسنة إلى خطاب"سوء ظن"منهجي منظم, بدلًا من أن يكون مجرد زلة سلوكية, ويسمى في النهاية -وبكل بجاحة- خطابًا تفسيريًا علميًا! ولذلك فمن المشاهد اليوم أن من انهمك في مشروعات إعادة قراءة التراث المهجوسة بافتراض الدوافع السياسية في كل حدث فإنه يمتلئ قلبه بالغل على القرون المفضلة, وقد قال تعالى:

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}

ولو جئنا نختبر ذلك العصاب في التفسير المادي لواقع الحركة الإسلامية فإنه حتمًا سيفلس في تقديم إجابة دقيقة على الكثير من الظواهر.

خذ مثلًا: مالذي يدفع الإسلاميين المعاصرين إلى ترك الفرص الاستثمارية في المؤسسات الربوية وتحمل كلفة المصرفية الإسلامية؟ مالذي يدفع الشابة المؤمنة الرقيقة إلى ارتداء الحجاب وتحمل نظرات الاستخفاف في الأماكن العامة؟ مالذي يدفع شابًا في زهرة العمر إلى التضحية بمجتمع الرفاه الذي يتقاطر اليه الوافدون والمقيمون ويتوجه لجبال شعثاء ينشد غناء الموت؟ مالذي يدفع رجالًا تشابكت مسؤولياتهم الاجتماعية والأسرية إلى التنازل في الظل عن جزء من رواتبهم المحدودة لطباعة تفسير أو توزيع شريط قرآن؟ مالذي يدفع فتى في غمرة سني اللهو واللعب إلى أن يدع مغاني أقرانه ويمد اليك مع ابتسامته الغضة تمرة تفطير عند إشارة مرور؟

وهكذا دواليك, مشاهد كثيرة تمردت على نظريات الأنسنة العلمانية, وأفلست محاولاتها التفسيرية البائسة في قراءة هذه الظواهر, لا زالت هذه المدرسة غير قادرة على استيعاب أثر الإيمان في النفوس بما يجعل الدين محركًا للتاريخ, فلم يصلوا إلى ما وصل إليه هرقل بحكمته الرومية حين أدرك ماذا تصنع"بشاشة الإيمان"إذا تسللت إلى القلوب, وذلك فيما روى البخاري أن هرقل قال لأبي سفيان:

{وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا, وَكَذَلِكَ الإيمان حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ}

ويمكن للقارئ أن يضع المدارس التفسيرية في اطار تاريخي أو هيكل عام يمكننا من تصور اتجاهاتها العامة, حيث يمكن القول -بشئ من التجوز- أن المدارس التفسيرية مرت بثلاث مراحل"مرحلة المؤلف"و

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت