ومن أعظم غايات التشريع التي تغيب عن غلاة المدنية مقصد"ابتلاء التسليم والامتثال"فإن المؤمن يتلقى للتنفيذ, أما من في قلبه مرض فتجده معرضًا عن الأمر أو باحثًا عن التسويغات, ولذلك فإن الله تعالى حين ذكر اختلاف الشرائع بين الأمم بيَّن أن المقصود منها إنما هو"اختبار الانقياد"كما قال تعالى:
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم}
وحين حرم الله الصيد على المحرم ابتلى الله أصحاب محمد بصيد قريب من يديهم وقت الحظر ليختبر تسليمهم وانقيادهم كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة:94]
وقريب من ذلك حين ابتلى الله بني اسرائيل بصيد قريب من يديهم وقت الحظر فقال تعالى:
{إِذْ تَاتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاتِيهِمْ}
وعبر تعالى عن مقصد اختبار التسليم والانقياد تعبيرًا عامًا شاملًا فقال سبحانه:
{ثم جعلناكم خلائف من بعدهم لننظر كيف تعملون}
وهذه الفكرة التي يرددها غلاة المدنية حول غاية الشعائر والشرائع لها صلة بالأساس الفلسفي الذي أشرنا إليه في فقرة سابقة والمتعلق بجوهر كمال النفس الإنسانية, فكل اتجاه فكري أو فلسفي يربط مقصود الشريعة طبقًا لرؤيته حول كمال النفس الإنسانية, لاطبقًا لدلالات القرآن حول مقاصد الشريعة.
وقد قدم الإمام ابن تيمية مناقشة رائعة لهذه الإشكالية توقف فيها عند مشهدين: المشهد الفلسفي, ومشهد متأخري الأصوليين, وبين ما في هذين من قصور في تحليل غاية التشريع, وبرغم طول النص إلا أننا نحتاجه لأهميته:
(وكثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها, وما ينفعها من حقائق الإيمان, وما يضرها من الغفلة والشهوة, فتجد كثيرًا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن, وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى"سياسة النفس وتهذيب الأخلاق"بمبلغهم من العلم, كما يذكر مثل ذلك المتفلسفة وأمثالهم؛ فإنهم يتكلمون في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من علم الفلسفة, وما ضموا إليه مما ظنوه من الشريعة, وهم في غاية ما ينتهون إليه دون اليهود والنصارى بكثير, وقوم من الخائضين في"أصول الفقه"وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة, إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم, ورأوا أن المصلحة"نوعان"أخروية ودنيوية: جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم؛ وجعلوا الدنيوية ما تضمن