فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 159

حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر, وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها: كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له والتوكل عليه والرجا لرحمته ودعائه وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة, وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود, وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران, وحقوق المسلمين بعضهم على بعض, وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه, حفظا للأحوال السنية وتهذيب الأخلاق, ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح, فهكذا من جعل تحريم الخمر والميسر لمجرد أكل المال بالباطل؛ والنفع الذي كان فيهما بمجرد أخذ المال) مختصرًا

على أية حال .. فمع يقيننا بأن الشعائر كالصلوات والصيام والنسك والذكر والنحر ونحوها طريق لتزكية النفوس وتهذيب أخلاقها وتنقيتها وتطهيرها من شوائب المادة التي تعلق بالافئدة, ولكن أيضًا ينبغي الوعي بأن الإسراف في تأكيد مقاصدها السلوكية يورث ضعف قيمتها, إذ يحولها إلى وسائل صرفة وأدوات محضة يمكن الاستغناء عنها بغيرها ما دام أن المراد والهدف النهائي هو تزكية النفس وتنقيتها, بمعنى أن الإنسان إذا وصل لـ"صفاء الروح"بأي طريق كان فقد حقق المقصود الالهي, دون أن يتعنى سلوك هذه الشعائر والالتزام بها, وهذه الفكرة الساذجة قد انطلت على بعض المتصوفة وعثر فيها كثير من غلاة المدنية.

وقد لاحظ الإمام ابواسماعيل الهروي (481 هـ) ملاحظة مبدعة تستثير الدهشة حول دور الخلل في تعليل الأحكام في إضعاف قيمة الحكم الشرعي بما يترتب عليه انكماش الدافعية, حيث يقول رحمه الله في كتابه المعروف منازل السائرين:

(تعظيم الأمر والنهي: هو أن لا يعارضا بترخص جاف, ولا يعرضا لتشديد غال, ولا يحملا على علة توهن الانقياد) منازل السائرين,81

فربط الشعائر بعلل سلوكية محضة, أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة: من أعظم ما يوهن الدافع لها, والسبب في ذلك أن نظر الإنسان دومًا يتشوف للغايات ولا يكترث بالوسائل, وهذه اللفتة أكدتها الظواهر المشاهدة والتجارب الحية, فما إن يستغرق المثقف في علل الشعائر وحكم التشريعات حتى تراه بعد ذلك غير مكترث بها, بل وينعى على من اشتغل بتتبع تفصيلات الوحي, وينظر الى ذلك كنوع من السذاجة في فهم أعماق الشريعة.

وقد حلل الامام ابن القيم هذه اللقطة المبدعة لأبي اسماعيل الهروي وهي"حمل الأمر والنهي على علة توهن الانقياد"حيث يقول في كتابه المدارج:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت