(قيام مانع: وهو إما حسد أو كبر, وذلك مانع إبليس من الانقياد للأمر, وبه تخلف الإيمان عن اليهود الذين شاهدوا رسول الله وعرفوا صحة نبوته, وهو الذي منع عبد الله بن أبي من الإيمان, وبه تخلف الإيمان عن أبي جهل وسائر المشركين, فإنهم لم يكونوا يرتابون في صدقه وأن الحق معه, لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر, وبه تخلف الإيمان عن أمية وأضرابه ممن كان عنده علم بنبوة محمد.
السبب الرابع: مانع الرياسة والملك, وان لم يقم بصاحبه حسد ولا تكبر عن الانقياد للحق, لكن لا يمكنه أن يجتمع له الانقياد وملكه ورياسته فيضن بملكه ورياسته, كحال هرقل وأضرابه من ملوك الكفار, الذين علموا نبوته وصدقه وأقروا بها باطناُ, وأحبوا الدخول في دينه, لكن خافوا على ملكهم, وهذا داء أرباب الملك والولاية والرياسة, وهو داء فرعون وقومه ولهذا قالوا: أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون.
السبب الخامس: مانع الشهوة والمال, وهو الذي منع كثيراُ من أهل الكتاب من الإيمان خوفًا من بطلان مأكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم, وقد كان كفار قريش يصدون الرجل عن الإيمان بحسب شهوته, فيدخلون عليه منها, فكانوا يقولون لمن يحب الزنا أن محمدًا يحرم الزنا ويحرم الخمر, وبه صدوا الأعشى الشاعر عن الإسلام, وقد فاوضت غير واحد من أهل الكتاب في الإسلام وصحته, فكان آخر ما كلمني به أحدهم: أنا لا أترك الخمر وأشربها آمنا فإذا أسلمت حلتم بيني وبينها وجلدتموني على شربها, وقال آخر منهم بعد أن عرف ما قلت له: لي أقارب أرباب أموال وإني إن أسلمت لم يصل إلي منها شيء, وأنا أؤمل أن أرثهم أو كما قال, ولا ريب أن هذا القدر في نفوس خلق كثير من الكفار فتتفق قوة داعي الشهوة والمال وضعف داعي الإيمان, فيجيب داعي الشهوة والمال.
السبب السادس: محبة الأهل والأقارب والعشيرة، يرى أنه اذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم وأخرجوه من بين أظهرهم, وهذا سبب بقاء خلف كثير على الكفر بين قومهم وأهاليهم وعشائرهم.
السبب السابع: محبة الدار والوطن, وإن لم يكن له بها عشيرة ولا أقارب لكن يرى أن في متابعة الرسول خروجه عن داره ووطنه إلى دار الغربة والنوى, فيضن بوطنه.
السبب الثامن: تخيل أن في الإسلام ومتابعة الرسول إزراءُ وطعناُ منه على آبائه وأجداده وذماُ لهم, وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام, استعظموا آباءهم وأجدادهم أن يشهدوا عليهم بالكفر والضلال وأن يختاروا خلاف ما اختار أولئك لأنفسهم, ورأوا انهم إن أسلموا سفهوا أحلام أولئك وضللوا عقولهم ورموهم بأقبح القبائح وهو الكفر والشرك, ولهذا قال أعداء الله لأبي طالب عند الموت: ترغب عن ملة عبد المطلب؟ , فكان آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب)