فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 159

(يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس, فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم, فيفتح لهم به, ثم يغزو فئام من الناس, فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم, فيفتح لهم به, ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: نعم فيفتح لهم به)

ولولا أن لتلك القرون مزيةً وفضلًا في نفسها لما كان مجرد الانتساب إليها سببًا في البركة وتحقيق النصر.

والشاهد من ذلك كله أن البرهان التاريخي قد أثبت لنا أن المدنية تتصاعد, والبرهان الشرعي قد أثبت لنا أن الخيرية تتناقص, وهذه المعادلة الدقيقة من أعظم البراهين على أن الحضارة والمدنية المادية ليست هي المقياس الإلهي لقيمة المجتمعات والأمم, إذ لو كانت الحضارة -بمعناها الشائع- هي المقصد الأساسي للشريعة لكان العصر العباسي الذي ازدهرت فيه العلوم العقلية والتجريبية أفضل من عصر الصحابة, ولكان عصر الصحابة الذي توسعت فيه الدولة ونظمها خير من عصر النبوة التي كانت فيها حياة محمد وخاصةِ أصحابِه قوتًا كفافًا.

وبعض غلاة المدنية يصرح ويقول: بأن عصر المأمون العباسي أرقى وأفضل من عصر أبي بكر الذي تم فيه الاستيلاء على السلطة في حادثة السقيفة, وهذا التفضيل المصادم للوحي انعكاس للمغالاة في قيمة الحضارة المادية والزهد في مضامين العلوم الالهية, وهو مما يؤكد أن"الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي"كما سبقت الاشارة.

يهمنا التذكير هاهنا بأن هذه المعادلة التي أشرنا إليها لا نعني أنها قانون كوني مطرد, بمعنى أنه ليس كل تطور مدني ينبني عليه تراجع شرعي, بل هي واقعة عين تاريخية أردنا استكشاف دلالاتها, والدرس الجوهري فيها بالنسبة لنا هو أنه طبقًا لتصوراتنا الإسلامية الخاصة فإن الخيرية مرتبطة بالجوهر الإيماني والأخلاقي, وليس المظاهر المدنية والمادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت