الحديث -كابن حجر والسيوطي وغيرهم- أن حديث"خير الناس قرني"حديث متواتر, حيث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر صحابيًا وتناقله عن كل منهم جمع, وقد نص على ذلك المتأخرون الذين أفردوا أعيان الأحاديث المتواترة بتصنيف خاص, وقد خرج جملة من مرويات هذا الحديث البخاري ومسلم, بل أصول دواوين السنة كلها قد خرجت طرفًا من هذه الأحاديث, ومن ذلك مارواه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«خيرُ أُمتي القرنُ الذي بعثتُ فيه، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم»
وفي الصحيح أيضًا عن عائشة قالت: سأل رجل النبيَّ: أيُّ الناس خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
«القرنُ الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث»
وهذا المعنى الدال على تراجع الخيرية في تلك المرحلة التاريخية ليس متوقفًا أصلًا على هذا الحديث المتواتر, بل هو قدر مشترك بين شواهد شرعية كثيرة ومستفيضة, كما روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا) .
ومن ذلك أيضًا ماروى مسلم في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه قال:
صلينا المغرب مع رسول الله ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء, قال: فجلسنا فخرج علينا فقال (ما زلتم هاهنا؟) قلنا: يارسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء, قال: (أحسنتم أو أصبتم) قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء فقال: (النجوم أمنة للسماء, فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد, وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لحظة وجوده صمام أمان للمجتمع ينقص المجتمع بفقده, وجعل الصحابة من بعده صمام أمان للتابعين فإذا ذهب الصحابة نقص المجتمع بفقدهم, وشبه ذلك كله بكون بقاء النجوم أمان للسماء فإذا انكدرت النجوم كما يكون ذلك في الانقلابات الكونية الكبرى التي تسبق القيامة فإن السماء تكون قد انفطرت وانشقت كما جاء في سورة التكوير والانفطار والانشقاق وغيرها.
وقد كشف النبي صلى الله عليه وسلم الأثر الذي تورثه هذه القرون المفضلة في البركة والنصر والظفر على حسب فضلها, كما روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وجابر وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: