فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 159

منزلتها في"سلم النصوص الشرعية", فليس كل عمل دخل في تعريف الحضارة يكون مطلبًا بهذه اللغة الهوجاء التي يعبر بها غلاة المدنية ويستطيلون بها على الناس.

بل بعض أعمال الحضارة فرض كفائي كالطب وأصول الصنائع التي يحتاج إليها المسلمون, وكالتصدي للعدل العام, وبعضه من الفضول الذي يشرع الزهد فيه بلامعرة من ملابسته, وبعضه من المحظورات التي تعكس الظلامية والانحطاط كأكثر الفلسفة الغربية الضالة, والنظام الاقتصادي الربوي الميسري, والنظم الجنائية المتخلفة عن هداية العقوبات الشرعية, والفنون الجمالية الغربية التي يقوم كثير منها على السفور والتماثيل وإغراق الشاشة بمشاهد التخلع وتطبيع العلاقات غير المشروعة وإتاحتها للصغير والكبير, والأعمال الأدبية المشحونة بلحظات المجون والاستهتار بالتصورات الغيبية, وغيرها كثير مما يدخله الكثيرون في معنى الحضارة.

والمراد أن لدينا نحن المسلمين تصورًا"مختلفًا"عن مفهوم"الحضارة"هو أرقى من كل ماعرفته البشرية من حضارات, نتيجة استمداده من"تنوير الوحي"كما خاطب الله تعالى العالم كله بقوله سبحانه:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء:174]

وقد امتن الله علينا بهذه"الاستنارة الالهية"فقال سبحانه:

{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] .

وهذا التصور"المختلف"لمفهوم الحضارة يقوم أولًا على الفحص والتفصيل والفرز بين تطبيقات الحضارة المشروعة وغير المشروعة على ضوء حاكمية الوحي الالهي وهدي القرون المفضلة , ثم ينزِّل كل تطبيق من تطبيقات الحضارة المشروعة في موضعها الصحيح طبقًا للمفاهيم الشرعية كمفهوم"إعداد القوة", ومفهوم"اتخاذ الأسباب", ومفهوم"الفرض الكفائي", ومفهوم"الوسيلة", ومبدأ"مالايتم الواجب إلابه فهو واجب", وغيرها من المفاهيم القرآنية النبوية السلفية التي تضع تطبيقات الحضارة في مراتبها الصحيحة حسب خلاصة توازنات النصوص الشرعية, بلاتطرف غلاة المدنية ولاجفاء الرهبانية.

وكل من أعرض عن قواعد الشريعة في تنظيم تطبيقات الحضارة وقع في التخبط والخلط فلم تسلم له حضارة دنيوية ولا مستقبل أخروي, كما أن كل من عظَّم حاكمية الوحي على تطبيقات الحضارة اهتدى في تطبيقات الحضارة الى موضع الفرض الكفائي, وموضع المباحات والفضول, وموضع المحظورات والمحرمات, كما يهتدي أيضًا إلى قواعد"فقه الأولويات"فيراعي تقديم أصل التزكية على العمارة المادية, وتقديم الفرض العيني على الفرض الكفائي, وتقديم النفع العام على النفع الخاص, وغيرها من المبادئ المنظمة, فيسير في هذا الطريق على نور من الله.

وشتان بين من استهدى بكتاب الله وبين من استقل بنظره الشخصي المجرد في التعامل مع مفهوم"الحضارة"وإرسال عبارات الطلب المطلق, حتى أصبح مفهوم"الحضارة"المجرد هو ذاته مقولة مرجعية حاكمة يتسلط على الناس بها في مزاحمة مبادئ الشريعة, ولذلك قال تعالى في موازنة هذين الطريقين:

{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} ] الأنعام:122]

وقارن سبحانه وتعالى من وجه آخر فقال:

{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} ] محمد:14 [

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت