والمتابع لخطاب بعض المتطرفين في مفهوم"المدنية"يلاحظ شدة تبرمهم من الاصرار الاسلامي على الاستمداد من"تنوير العلوم الالهية"وهذه ظاهرة قديمة كما قال تعالى:
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة:32]
والمقصود هاهنا أن هذا المعنى وهو أن المقالة لاتهدف لإلغاء المدنية جاء ذكره صريحًا في المقالة الأساسية -وأعتذر مسبقًا للقارئ من اضطراري لاقتباس بعض الشواهد لبيان المغالطة في قراءة غلاة المدنية- حيث جاء في مقالة مآلات الخطاب المدني:
(فهذه الفقرات السابقة لم يكن الهدف منها"اسقاط قيمة المدنية", أو الغاء أهمية الحضارة, أو ترسيخ حالة الاستهلاك والتبعية في مجتمعاتنا المسلمة, وانما كانت مجرد مساهمة في اعادة"ترتيب أولويات"المثقف المسلم) ص 120
فكل ماكتبته في المقالة الأساسية كنت أتكلم فيه عن"الغلو المدني"وكنت أناقش فيه مقولات المتطرفين في مفهوم المدنية, لا المعتدلين المقسطين فيها.
وأوضح تعريفات"الغلو المدني"هو: (جعل المدنية المادية هي المعيار في تقييم المجتمعات والشخصيات) بما يعني تحويلها إلى غاية في حد ذاتها لاإلى وسيلة, وبالتالي يؤول الأمر إلى الإزراء بالقرون بالمفضلة واللهج بتعظيم الكفار, ثم انفراط بقية مسلسل الانهيارات الذي بات معروفًا اليوم.
ولم يكن نقدي موجهًا أصلًا الى الاعتدال المدني المحمود, بل بالعكس فقد جاء التنويه المستمر بالقرون المفضلة, والاتجاه الاسلامي المعاصر الذي احتذى حذوهم, لأنهما وقفا من الحضارة موقفًا شرعيًا معتدلًا.
وقد جاء توضيح الموقف من أهمية اعدد القوة والامكانيات صريحًا في المقالة في مواضع متعددة من مطلعها الى خاتمتها, ومن ذلك:
(أما استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الوسائل والامكانيات فهذا واجب شرعي محكم لاخلاف فيه, فالمسلمون اليوم بحاجة ماسة الى الامكانيات الحديثة لابلاغ الرسالة الاسلامية) ص 120
وجاء في المقالة أيضًا:
(ومثل هذه الغاية الالهية الشريفة لاتتحقق الا باتخاذ الوسائل الشرعية من اعداد القوة والامكانيات) ص 120
ثم ذكرت المقالة أدلة وجوب اعداد القوة, كآية الاعداد, وحديث اليد العليا, وغيرها, كما وضحت المقالة أن المقصود ليس تحريم الطيبات حيث جاء فيها:
(كما ان الاستمتاع بالطيبات مما جاءت الشريعة بتقريره كما قال تعالى) ص 121
ثم ذكرت المقالة الأدلة الشرعية على مشروعية الطيبات, وبيان"وجهي الموقف الشرعي"وهو الاستفادة من المنجزات الحضارية لكن مع الوعي بأولوية المشروع الايماني, كما جاء في المقالة:
(فالنبي صلى الله عليه وسلم استفاد من الحضارة المعاصرة له في الخندق, ومشروعية الغيلة, والتبادل التجاري, وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين, وراسلهم, واتخذ خاتمًا لمراسلته كما هي عادتهم, وقبل هداياهم كما قبل هدية ملك أيلة