فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 159

هذه الشريحة الشبابية -ذات الخلفية الدعوية الإسلامية- حاولت بادئ الأمر أن تقدم إجابة عن"سؤال الحضارة"ترضي الطرفين فتتلافى الاصطدام بانتمائها العميق الذي يشدها, وتتودد للذوق الفكري الذي تقرأ له بعد أن خضعت لسطوة خطابه, لكنها قبل أن تجيب فكرت كما يفكر خصمها وتبنت منطلقاته.

هذه الشريحة الشبابية لم تستوعب أبدًا -حتى هذه اللحظة- أن المدرسة الفرانكفونية/المغاربية أعادت تشكيل منطقها تمامًا, وأعادت صياغة نمط تفكيرها وطريقة تعاطيها للأمور, وأسلوب نظرها للوقائع, وتقييمها للأحداث, من خلال امتصاص أدواتها الخاصة للقراءة والتفسير والملاحظة, وإعادة ترتيب الهرم الداخلي للقيم, وإعادة رسم الجدول الذهني للأولويات.

السؤال الذي يملي نفسه في هذا الموضع: مالفرق بين العلمانية العربية ما قبل (1984 م) والعلمانية العربية ما بعد (1984 م) ؟

فالعام 1984 م هو العام الذي احتضن واقعة صدور أول حلقة من سلسلة"نقد العقل العربي"للمفكر المغربي ذائع الصيت محمد عابد الجابري والذي دشن العهد الجديد لتلمود العلمانية العربية التوفيقية, حيث مثلت الحلقات الأربع من هذه السلسلة والتي نشرت تباعًا بعنوان (تكوين العقل العربي, بنية العقل العربي, العقل السياسي العربي, العقل الأخلاقي العربي) الاكتمال المنهجي النهائي لمجموعة الدراسات المبعثرة التي سبقتها كمدونة"نحن والتراث"له.

ولذلك اعتبر بعض المؤرخين الليبراليين أنه إذا كان"الطهطاوي"هو مؤسس تجربة النهضة العربية الأولى, فإن"الجابري"مؤسس تجربة النهضة العربية الثانية, كما يقول ذلك عالم الاجتماع والناشط المعروف سعد الدين إبراهيم.

بل إن أشهر ناقد صارم لمشروع الجابري والذي كاد يذهب شطر عمره في تتبع شواهده ونقوله وما بين فواصله -وهو المفكر العربي المعروف جورج طرابيشي- يعترف ليس بأثر الجابري في مريديه وتلاميذه فهذا حدث تاريخي يتكرر, ولكن بسطوة الجابري المذهلة في أقرانه التي لم يفلت ناقده طرابيشي منها حين قرأ له أول مرة, ونفوذ المفكر في أقرانه ومجايليه استثناء عزيز في مدونة التاريخ, إذ المعاصرة حجاب.

والحقيقة أن وزن الجابري وكونه منعَطَف يكاد يكون محل إجماع بين المعاصرين, وهذا يعني أن تأريخ ظاهرة العلمانية/التوفيقية بالجابري ليس كثيرًا بالقياس إلى وزنه وقدرته على اختراق الحواجز الخرسانية التي عانتها الخطابات التي جايلته من كافة التيارات.

أو بمعنى آخر: مالفرق بين مدرسة صادق جلال العظم وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ومحمد أحمد خلف الله ونظائرهم, وبين مدرسة الجابري وأركون وحسن حنفي ونظائرهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت