وماأخرجه الشيخان أيضًا من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» .
والنصوص في ذم"الاحداث في الدين"كثيرة مشهورة, والقدر المشترك بينها هو"معنى قطعي"يدخل في أعلى درجات التواتر المعنوي بلاشك, سيما إذا علم الباحث أن بعضها آيات قرآنية متواترة لفظًا, ولله الحمد.
والمراد هاهنا أن"مفهوم الاحداث"في الدين عام يشمل: إحداث الألفاظ, وإحداث المضامين, وإحداث مناهج القراءة, بل إن الإحداث في"مناهج القراءة"على خلاف هدي القرون المفضلة هو أغلظ أنواع الاحداث.
ووجه ذلك أن اختراع حديث واحد فقط لايقتضي إلا ماتضمنه ذلك النص المخترع من محتوى محدود, واختراع مضمون معين واحد لايقتضي إلا ذلك المعنى المحدود, أما إحداث منهج لقراءة النصوص يصادم منهج القرون المفضلة فإن مؤداه مسخ المأثور وتسلسل المحدثات والدلالات المخترعة.
فإذا كان هذا شأن الشارع في التحذير من محدثة واحدة, وهو ماعلم من تتابع القرون المفضلة في النكير على آحاد المحدثات, فكيف سيكون الموقف الشرعي من إحداث"منهج قراءة"يقوم بتوليد الدلالات بطريقة لايعرفها أصحاب النبي ولامن تبعهم باحسان؟!
والتجديد المذموم يدور دومًا حول محورين: إما استبعاد وبتر شئ من هدي الاسلام, أو أن يضاف إليه من المعالم ماليس منه.
وماأكثر ماأشار القرآن الى هذين النوعين من الضلال, وهما إما الزيادة على الوحي أو النقص منه, كما قال تعالى في سورة العنكبوت:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ}
وقال تعالى في سورة الأنعام:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
وقال في سورة الأعراف:
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ)
فهذه الآيات -ونظائرها كثير- تشير دومًا إلى أن الضلال نوعين: إما إعراض عن شئ من مضامين الوحي, أو زيادة مضامين لم ترد فيه, وهذا يعني أن الهدى هو التمسك بالكتاب كله بلانقص عنه ولازيادة فيه.
ومن تأمل موارد التجديد المحمود وجدها في غالبها تنصب في مقاومة التجديد المذموم, فتجديد الاحياء هو مناهضة تجديد الاحداث وابطاله, ولذلك فالتجديد المحمود هو إما بعث ماانطمر من تعاليم الاسلام, أو تخليصه مما ألحق به وأضيف إليه.
وكثير من الكتَّاب اليوم حين يتحدث عن"التجديد"يتكلم عن حاجتنا الى"منهج جديد"لقراءة النص, ويدندنون كثيرًا حول فكرة تجديد منهج القراءة, فهذا إن كان مقصودهم بتجديد منهج القراءة العودة الى منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة القرون المفضلة فهذ تجديد إحياء محمود مشكور, أما إن كان المقصود هو اختراع منهج جديد لفهم الوحي يعارض منهج القرون المفضلة فهذا تجديد إحداث مذموم.