فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 159

و"العبودية"بحسب هذا الاتجاه نظام من الشُّعَب التدريجية الشاملة أعلاها قول لاإله الا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, فتبتدئ بإفراد الله وتجريد القلب له ويليها الفرائض العينية ثم الفروض الكفائية التي يتحقق بها نفع الناس في مصالحهم العامة.

واذا تزاحمت شعبتان من شعب العبودية فلايقدم مايتعلق بالشأن المدني مطلقًا, بل ثمة قواعد شرعية دقيقة في المفاضلة والموازنة بين مراتب الاهتمامات والأعمال والشؤون العامة, ككون رعاية الفضيلة مقدمة على الحرية الفنية, وتقديم الفرض العيني على الكفائي, وتقديم النفع المتعدي على النفع الخاص, وتقديم الواجب على المندوب, ونحو ذلك.

ولذلك فإن جمهور الأعمال العبادية المحضة تندرج في"الأحكام التكليفية"باعتبارها الصورة النهائية للمراد الإلهي, وجمهور الأعمال المدنية الدنيوية تندرج في"الأحكام الوضعية"كالسبب والعلة والشرط والمانع باعتبارها وسيلة للحكم التكليفي.

ومن ثم ينبني على هذه الرؤية تقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات بحسب منزلتها في هذه"العبودية".

وتفريعًا على اختلاف هذين الاتجاهين في تحديد الوسيلة والغاية انبنت أكثر الفروق الهائلة والتفاصيل اللانهائية من الآثار, واستتبع ذلك تفاوتًا كبيرًا في المواقف, فكل قضية فكرية يختلف فيها الناس تجد فريقًا لحظ أثر هذا الموقف على العبودية والفضيلة فاتخذ موقفا معينا, بينما الفريق الآخر لحظ علاقة هذه القضية بالحضارة والمدنية فاتخذ موقفًا مغايرًا, فكل فريق معني بغايته ومقصده النهائي.

والحقيقة أن كتاب الله سبحانه وتعالى لم يجعل هذه القضية عائمة أو محتملة أو نسبية, بل حسمها بشكل يقيني واضح صريح وكشف الغاية من خلق الإنسان بلغة حاصرة فقال سبحانه وتعالى:

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]

وبين سبحانه أنه إنما بدأ خلق الإنسان في هذه الدنيا ثم بعثه بعد موته ليحاسبه على هذه الغاية وهي القيام بالعبودية كما قال سبحانه:

{إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} [يونس:4]

وفي كثير من المواضع ينبه سبحانه وتعالى بين ثنايا الآيات على أن وظيفة الخلق وغايته إنما هي ابتلاء الناس في هذه العبودية كما قال سبحانه:

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] .

وحسن العمل هذه الآية ونظائرها هو الإيمان والعمل الصالح على حسب درجاته الشرعية, ولو كانت عمارة الأرض بالحضارة والتمدن والعلوم الدنيوية هي المقصود الأولوي بحسن العمل لما أرسل الله الرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت