وقد كشف الله في مواضع كثيرة تفاهة هذه المظاهر المادية من وجوه متعددة, فلاتخلوا طائفة من آيات القرآن إلا وفيها التنبيه على حقارة الدنيا وأنها مجرد لعب, ولهو, ومتاع, وزينة, ونحوها من الألقاب, والجامع بين هذه الأوصاف كلها هو كونها"لذة مؤقتة".
ويكشف الوحي في مواضع متعددة عن قانون الانحراف في التاريخ, حيث يكاد القرآن أن يربط كل مظهر من مظاهر الخلل العقدي والأخلاقي به, ألا وهو"الانبهار بالمظاهر المادية"وتعظيمها وامتلاء القلب بالتعلق بها, وتأمل في واقع الناس اليوم وستجد دقة هذا الناموس القرآني, حيث تكاد أن تجد كل"ضلال فكري"أو"انحراف سلوكي"إنما منشؤه تعظيم الدنيا, كما في قوله تعالى:
{كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} [القيامة:20 - 21]
ولذلك كثرت موازنة القرآن بين المنجز الدنيوي والمنجز الأخروي, كقوله تعالى:
{أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [القصص:61]
ويبين سبحانه أن هناك طريقين: طريق الإنجاز الدنيوي وطريق الإنجاز الأخروي, كما قال تعالى:
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا} [الشورى:20]
وفي ثلاث آيات عجيبة من سورة الاسراء شرح سبحانه وتعالى معالم هذين الطريقين, فقال عن طريق الانجاز الدنيوي:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) }
ثم في الآية التي تليها وضح طريق الانجاز الأخروي فقال سبحانه:
{وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) }
ثم في الآية الثالثة عقب على المشهدين كليهما بهذا التعقيب البليغ:
{كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) }
وفي لغة حاصرة يبين تعالى أن كل ما في هذه الحياة الدنيا إنما هو متاع وأن الموارد الحقيقية غير الناضبة إنما هي في الآخرة, كما قال تعالى:
{فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الشورى:36]
ويقول تعالى أيضًا:
{وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص:60]
وفي موضع آخر يصف الدنيا بأنها لعب ولهو في مقابل الحياة المستقبلية الحقيقية فيقول تعالى:
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنعام:32]