ومن تدبر المواضع القرآنية التي ورد فيها مفهوم"الإنسان"وجد أن الله سبحانه وتعالى يذم جنس الإنسان بمذام متنوعة ثم يستثني من عموم هذا الذم أهل الإيمان.
ومن ذلك أن الله تعالى تعالى أقسم بالزمان على أن الإنسان في خسارة تامة كما قال تعالى:
{وَالْعَصْرِ, إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ}
ثم أتبعها باستثناء أهل الإيمان من هذه الخسارة فقال:
{إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}
وذم الله جنس الإنسان بصفة الهلع والجزع والشح ثم استثنى أهل الإيمان كما قال تعالى:
{إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا, إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا, وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا, إِلا الْمُصَلِّينَ} [المعارج:19 - 22] .
وذم الله جنس الإنسان بصفة القنوط والجحود والبطر ثم استثنى أهل الإيمان كما قال تعالى:
{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نزعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ, وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ, إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
وذم الله جنس الانسان بصفة الظلم والجهل, ثم أعقب ذلك بالتمييز التفصيلي في جنس هذا الانسان الظلوم الجهول على أساس الموقف الديني فقال تعالى:
(وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا, لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
وهذا المعنى المتضمن ذم جنس"الانسان"ثم استثناء أهل الايمان له نظائر كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, بل إن الله هدد الإنسان تهديدًا مدويًا بقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}
ولذلك لما سمع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رجلًا يقرأ هذه الآية قال: (غره والله جهله) والذي يبدوا أن عمر استنبط هذا المعنى من الآيات التي وصفت"الانسان"بالجهل كما سبقت الاشارة لبعض تلك الآيات.
فكيف يقال بعد ذلك أن الله كرم"الإنسان"وفضل"الإنسان"بغض النظر عن هويته الدينية, وأن الأديان لا تؤثر في كرامة الإنسان إيجابًا ولا سلبًا, وأننا يجب أن نعمل لمفهوم"الإنسان"بغض النظر عن عقيدته, أو قول بعضهم لا تجعلوا الرأي الشخصي يفرق بين أبناء آدم, أليس في ذلك مشاقة لكلام الله سبحانه وتعالى الصريح؟