فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 159

وهذه النصوص الشرعية تكشف سقوط دعوى غلاة المدنية حين قالوا أن البراء لايكون إلا من الكافر أو من الكافر المحارب, أو أن الولاء للمسلمين لا يتفاوت.

على أنه لو لم ترد تلك النصوص الخاصة في البراء الأصغر, فإن الاستدلال بالنصوص الواردة في البراء الأكبر على البراء الأصغر كافٍ في بيان الحق, وهو من ضرب الأمثال التي أشار القرآن إلى كونها تبيانا لكل شئ, فهو استدلال ببعض المعنى لا أنه قياس شمول ولا قياس أولى, فيؤخذ من جزء الحكم بقدر ما تحقق من جزء العلة إذا لم يوجد ما يعارضها.

وهذا النوع من الاستدلال كان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه وعموم أئمة القرون المفضلة, فكانوا يستدلون بما نزل في الشرك الأكبر على الأصغر, ويستدلون بما نزل في عقوبات الكفار بأوصاف معينة على من شاركهم من المسلمين في عين ذلك الوصف.

ففي سنن الترمذي عن أبى واقد الليثى أن النبي وأصحابه لما مروا بالكفار وهم يتبركون بشجرة ذات أنواط طلب بعض الصحابة أن يكون لهم شجرة يتبركون بها, فهذا التبرك الذي طلبوه كان شركًا أصغر, ومع ذلك فقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم واستدل بآية نزلت في الشرك الأكبر فقال صلى الله عليه:

(قلتم و الذى نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة قال أنكم تجهلون)

ولما رأى الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رجلًا من المسلمين في يده خيط يستعمله كتميمة, قطعه وتلا قوله تعالى (ومايؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فاستدل بما نزل في الأكبر على الأصغر بجامع بعض المعنى.

ولما سئل ترجمان القرآن عبدالله ابن عباس عن قوله تعالى في سورة البقرة (فلاتجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) قال: هو كقول الرجل"لولا الله وأنت"ففسرها بقادح أصغر, برغم كونها في القادح الأكبر, لاشتراكهما في أصل التفات القلب لغير الله.

وعندما مر علي بن أبي طالب بقوم يلعبون الشطرنج على وجه محرم يفضي لترك الواجب الشرعي نهاهم وتلا قوله تعالى (ماهذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) فاستدل بآية في الشرك على المعصية بجامع شدة التعلق المفضي لانتقاص قدر الله جل وعلا.

وفي قوله تعالى (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) قال غير واحد من السلف كعلي بن أبي طالب والضحاك وغيرهم هم"الحرورية", برغم كون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت