فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 159

الإحسان باليقين الحاسم الذي ليس دونه أدنى تردد, بحيث لا يوجد في قلب المرء إلا هذه الحقيقة, فقال"الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه", فجعل الإحسان هو امتلاء القلب بحقيقة الألوهية بحيث كأنه يشاهد الله عيانًا, والواقع أن من لهث خلف سراب النسبية فقد أغلق الباب بينه وبين هذه المنزلة التي هي أشرف منازل الدين, فبدل أن يجاهد نفسه لتستيقن أصبح يجاهد نفسه لترتاب.

والحقيقة أن التأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يكشف لنا بكل وضوح أن الحماس والغيرة على الشريعة والغضب لله ورسوله من المقامات المحمودة وليس توترًا ولا نزقًا ولا وصاية ولا إقصاء.

فمن ذلك ماروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة أن النبي لما رأى قرام التصاوير يستعملونه سترًا تلون وجهه من الغضب.

وروى البخاري أيضًا من حديث ابن مسعود في حديث الذي يتأخر عن صلاة الغداة (لطول الصلاة) قال ابن مسعود: فما رأيت النبي أشد غضبًا في موعظة منه.

وروى البخاري أيضًا من حديث زيد بن خالد الجهني في الذي سأله عن ضالة الإبل قال"فغضب رسول الله حتى احمرت وجنتاه, أو احمر وجهه"ثم قال: (ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها) .

وروى البخاري أيضًا من حديث ابن عمر أن النبي لما رأى القذاة في المسجد"تغيظ".

وغيرها كثير وإنما أردنا المثال لا الاستيعاب, حيث تبين هذه الأحاديث غيرة النبي صلى الله عليه وسلم وغضبه لله في مسائل من الأصول ومسائل من الفروع, فغضب من تطويل الصلاة ومن تعليق الصور ومن التقاط ضالة الإبل ومن القذاة في المسجد وغيرها.

ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في شؤون الإسلام ببرود معرفي كما يتصور غلاة المدنية, بل كانت تظهر عليه آثار الغضب والغيره, ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال:

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه, وعلا صوته, واشتد غضبه, حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم, ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى)

فكيف يقال بعد ذلك إن الغيرة على محكمات الإيمان والشريعة والفضيلة والغضب لله ورسوله من التوتر والنزق الوصاية والإقصاء ونحوها من الشتائم؟

فالغضب لله ورسوله ليس انتقامًا شخصيًا, وشهوة تسلط على الناس, بل هو من أسمى مقامات الإيمان التي تعكس عمق تشرب القلب لحب الله ورسوله.

أما التباهي والافتخار بالبرود واللامبالاة والسلبية أمام مظاهر التقصير الديني باعتبارها"حرية شخصية"فهذا مرض ينبغي على الإنسان معالجته لا قيمة راقية يدعى إليها, فقد كان من أسباب لعن بني إسرائيل هو برودهم وسلبيتهم إزاء مظاهر التقصير الديني, كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت