يعتكف العشر الأواخر فإذا كان دخوله في الفجر يقتضي أنه يعتكف تسعا إذا كان الشهر كاملا وثمانية إذا كان غير كاملا, أما إذا دخل مع الغروب فيكون معتكفا لعشرة أيام أو تسعة. أضف إلى ذلك أن ليلة الحادي والعشرين هي من الليالي الوتر التي تلتمس فيها ليلة القدر فالأولى أن يكون المرء معتكفا فيها.
ونقول في استدلالهم بحديث الباب:
أن قوله: فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ: مشعر بأنه رجع للمكان الخاص الذي يعتكف فيه لأن {اعتكف} فعل في الماضي وليس فيه أنه دخل للمعتكف أول مرة, قال ابن الملقن [1] :ردا على الإستدلال بهذا الحديث: وليس فيه دلالة عليه فإن اعتكافه عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون قبل ذلك ومجيئه إلى مكانه بعد صلاة الغداة, للإنفراد عن الناس بعد الإجتماع, بهم في الصلاة, لا أنه ابتدأ دخول المعتكف, ويكون المراد بمكانه الذي اعتكف فيه الموضع الذي خصه بالإعتكاف من المسجد وأعده له, كيف ولفظه يشعر بذلك. وقولها: اعتكف فيه بصيغة الماضي. هـ
وقد استدل المخالف بحديث أصرح من هذا وهو عند مسلم فيه أن عَائِشَةَ قَالَتْ"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ". {مسلم 1172} .
فقالوا هذا دليل على أن الدخول كان بعد الفجر في الإعتكاف, وقد أول الجمهور هذا الحديث فقالوا: أن دخوله للمعتكف كان أول الليل وبعد صلاة الفجر انصرف إلى المكان الخاص المعد للإعتكاف,
قال الشيخ سليمان العلوان ردا على الإستدلال بهذا الحديث [2] : إن معنى قول عائشة في حديث الباب (دخل معتكفه) . أي المكان الذي أعد لجلوس المعتكف فيه، وقد كان يوضع للنبي صلى الله عليه وسلم خيمة في ذلك يوضح هذا أن عائشة قالت إذا صلى الفجر فلو كانت تقصد بالمعتكف المسجد فلماذا تقول إذا صلى الفجر لماذا لاتقول إذا أراد أن يصلي الفجر لأنه دخل المسجد ونوى الاعتكاف فعلم حينئذٍ أن عائشة حين قالت دخل معتكفه أي المكان الذي أعد للاعتكاف وليس المعنى أنه منذ هذه اللحظة نوى الاعتكاف فهذا القول ضعيف وجماهير العلماء على خلافه ومن زعم
(1) الإعلام بفوائد عمدة الاحكام ج 3 ص 186
(2) شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام.