فبان بهذا بطلان التعليل بالوصف الثاني.
فلم يبق لدينا إلا التعليل بالوصف الثالث وهو أن تركه صلى الله عليه وسلم لكسر الأصنام بمكة كان بسبب العجز وعدم القدرة والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان أول ما بدأ به بعد فتح مكة هو كسر الأصنام.
فقد روى البخاري عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها في يده، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) .
فبان بهذا السبر والتقسيم أن تركه صلى الله عليه وسلم لكسر الأصنام قبل الفتح كان بسب العجز لا لأنه غير مأمور بكسرها ولا لأنه كان ينتظر حتى تزول هيبتها من قلوب الناس.
فلا يكون فيه حجة للقادر، والضرورة تقدر بقدرها والميسور لا يسقط بالمعسور.
الوجه الثاني:
على فرض أن كسر الأصنام لم يكن واجبا عليه بمكة فذلك ناتج عن تبعيته لوجوب القتال الذي لم يؤمر به آنذاك ولما نزلت آية السيف تغير الأمر ونسخ وصار كسر الأصنام واجبا بكل حال.
وكما أن ترك تحطيم الأصنام منسوخ بآية السيف فهو أيضا منسوخ بما روى مسلم: عن أبي الهياج حيان بن حصين الأسدي قال قال على: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ألا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفا إلا سويته) .
الوجه الثالث:
أن تحطيم الأصنام من مقتضيات الكفر بالطاغوت ولهذا حطمها النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة عند أول يوم قدر على تحطيمها وأرسل في الآفاق من يحطمها.
فقد (اهتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإزالة كل ما يمت للوثنية بصلة، فبعث السرايا والبعوث من مكة لتحطيم بقية رموز الشرك والوثنية، فانطلقت السرايا لتحطيم العزى ومناة، واللات وسواع، وذا الخلصة، وغيرها من الأصنام والطواغيت الوثنية) . السيرة النبوية - دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة - (5/ 161)