فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 147

الفصل الرابع

الدليل والتوسط

"الشرع معيار لمعرفة الوسط وليس الوسط معيارا لمعرفة الشرع"

لقد ابتكر أصحاب الوسطية المعاصرة دليلا حديثا ومعيارا جديدا للترجيح؛ حيث جعلوا من الوسطية دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا وقاعدة كلية حاكمة على جميع النصوص الشرعية مهما بدت جلية أو محكمة أو قطعية.

فإذا تعارضت آية محكمة أو حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المنهج الذي زعموه وسطا قدموا هذا المنهج على كلام الله تعالى وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم.

وما أكثر ما يتبنى هؤلاء الوسطيون من مواقف وآراء مخالفة للأحكام الشرعية الثابتة بحجة أنها أقوال وسطية ومواقف وسطية!

فتأمل كيف يتم صرف الناس عن الاحتكام إلى الأدلة الشرعية بحجة اتباع الوسطية!!

إن اعتبار بعض الأقوال وسطا لا يعني ضرورة أنها هي الصواب؛ بل قد يكون القول وسطا وهو من أبطل الباطل.

فالوسطية ليست دليلا مستقلا بذاته بل ولا حتى معيارا للترجيح بإطلاق بحيث يقال: إذا كان في أي مسألة ثلاثة أقوال فالقول الصحيح من هذه الأقوال هو القول الوسط ..

ولو كان الأمر كذلك لتعيّن علينا القول بأنه إذا اختلف العلماء في مسألة على ثلاثة أقوال بين الوجوب والحرمة والإباحة فإن أصوب الأقوال هو القول بالإباحة لأنه هو القول الوسط!!

وهكذا الأمر بالنسبة لمذهب المعتزلة في قضية تكفير مرتكب الكبيرة فإنه هو أوسط الأقوال، فقد قال أهل السنة: لا يكفر، وقال الخوارج: يكفر، وقال المعتزلة: هو في منزلة بين المنزلتين، فهل يعني هذا أن قول المعتزلة هو الصواب لأنه هو الوسط؟!

ومن هذا القبيل ما رواه ابن بطة عن سعيد ابن جبير أنه قال عن المرجئة: (مثلهم كمثل الصابئين، إنهم أتوا اليهود فقالوا: ما دينكم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت