و قال ايضًا: أقاويل الصحابة فإنها نصوص في تعين قتله مثل قول عمر رضي الله عنه [من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه] فأمر بقتله عينا و مثل قول ابن عباس رضي الله عنه [أيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه] فأمر بقتل المعاهد إذا سب عينا و مثل قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيما كتب به إلى المهاجر في المرأة التي سبت النبي صلى الله عليه و سلم [لولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء لا يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد و معاهد فهو محارب غادر] فبين أن الواجب كان قتلها عينا لولا فوات ذلك و لم يجعل فيه خيرة إلى الإمام و لا سيما و السابة امرأة و ذلك وحده دليل كما تقدم و مثل قول ابن عمر في الراهب الذي بلغه أنه يسب النبي صلى الله عليه و سلم: [لو سمعته لقتلته] و لو كان كالأسير الذي يخير فيه الإمام لم يجز لابن عمر اختيار قتله و هذا الدليل واضح.
قلت: وإذا عطل الإمام الشرعي الحدود يجوز أن تقام بدونه بشرط الا يترتب على ذلك مفسدة لذا قال شيخ الإسلام في الفتاوى ج34/صفحة 175/ 176 خاطب الله تعالى المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا كقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) "38 المائدة"، (الزانية والزاني فاجلدوا ... ) ، (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) وكذلك قول الله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) النور 4
لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه والعاجزون لا يجب عليهم، وقد علم أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد فقول الله تعالى:"كتب عليكم القتال" (البقرة 216) "وقاتلوا في سبيل الله" (البقرة 190) "إلا تنفروا" (التوبة 39) ، ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين، والقدرة هي السلطان، فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه.
والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقين نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء، إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم؛ فهذا عن تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا، لكن طاعتهم للأمير ليست طاعة تامة فإن ذلك أيضا إذا أسقط عنه إلزامهم بذلك لم يسقط عنهم القيام بذلك بل عليهم أن يقيموا ذلك وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك لكان ذلك الفرض على القادر عليه.