فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 111

وفي قصة الطفيل رضي الله عنه خير مثال على ذلك، عندما قدم الطفيل بن عمرو الدوسي إلى مكة قال له المشركون: (إنك قدمت بلادنا وإن هذا الرجل - وهو الذي بين أظهرنا - فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد حل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه) ، ومنها أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (فوا الله ما برحوا يخوفني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ... القصة) اهـ.

وقال ابن حزم بعد ذكره لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ... ) ، فقال: (قال أبو محمد: فإنما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به على من سمع بأمره، فكل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق وجزائر البحور والمغرب وأغفال الأرض من أهل الشرك، فسمع بذكره صلى الله عليه وسلم؛ ففرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والإيمان به ... ) .

إلى أن قال: ( ... وأما من بلغه ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، ثم لا يجد في بلاده من يخبره عنه، ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرىء فيها الحقائق، ولولا إخباره صلى الله عليه وسلم أنه لا نبي بعده، للزمنا ذلك في كل من نسمع عنه أنه ادعى النبوة، ولكنا قد أمنا ذلك، والحمد لله) اهـ (الإحكام في أصول الأحكام: 2/ 112) .

فتأمل يا من منّ الله عليه بالفهم الصحيح قول أبي محمد الأخير: (للزمنا كل من نسمع عنه) ، فإنه يجلو عنك شبهًا كثيرة، خصوصًا في مسألة قيام الحجة، {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} .

وكذلك ما نقله الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمهم الله أنه لا خلاف في كفر من بلغته الرسالة ولم يؤمن بها وإن التبست عليه، قال رحمه الله: (وإذا بلغ النصراني ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينقد له، لظنه أنه رسول الأميين فقط؛ فهو كافر، وإن لم يتبين له الصواب في نفس الأمر، كذلك كل من بلغته دعوة الرسل بلوغا يعرف فيه المراد والمقصود، فرد ذلك لشبهة أو نحوها؛ فهو كافر وإن التبس عليه الأمر، وهذا لا اختلاف فيه) اهـ (مصباح الظلام: ص 326) .

بل نجزم أن أكثر اليهود والنصارى اليوم مقلدون لأحبارهم ورهبانهم، ولا يسمعون عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصورة مشوهة وملتبسة، بل أحسنهم حالا من يجعله رسول الأميين خاصة، ولازم كلام المؤلف أن هؤلاء معذورون، ولا محيد له عن ذلك، وقد تقدم كلام ابن حزم؛ على أن من كان هذا حاله فقد قامت عليه الحجة ووجب عليه البحث والطلب، فاتفقت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت