وقوله صلى الله عليه وسلم:"نعم وأبيك لتنبأن"قد سبق الجواب مرات عن مثل هذا وأنه لا تراد به حقيقة القسم بل هي كلمة تجري على اللسان دعامة للكلام وقيل غير ذلك.
قوله: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: أحي والدك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) وفي رواية: (أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) هذا كله دليل لعظم فضيلة برهما وأنه آكد من الجهاد. وفيه حجة لما قاله العلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين أو بإذن المسلم منهما، فلو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه، وشرطه الثوري، هذا كله إذا لم يحضر الصف ويتعين القتال وإلا فحينئذ يجوز بغير إذن. وأجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين وأن عقوقهما حرام من الكبائر، وسبق بيانه مبسوطًا في كتاب الإيمان
باب تقديم برّ الوالدين على التطوع بالصلاة، وغيرها
*حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرّوخَ. حَدّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. حَدّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ قَالَ: كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبّدُ فِي صَوْمَعَةٍ. فَجَاءَتْ أُمّهُ.
قَالَ حُمَيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أُمّهُ حِينَ دَعَتْهُ. كَيْفَ جَعَلَتْ كَفّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا. ثُمّ رَفَعَتْ رَاسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، أَنَا أُمّكَ. كَلّمْنِي. فَصَادَفَتْهُ يُصَلّي. فَقَالَ: اللّهُمّ. أُمّي وَصَلاَتِي. فَاخْتَارَ صَلاَتَهُ. فَرَجَعَتْ ثُمّ عَادَتْ فِي الثّانِيَةِ. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمّكَ. فَكَلّمْنِي. قَالَ: اللّهُمّ أُمّي وَصَلاَتِي. فَاخْتَارَ صَلاَتَهُ. فَقَالَتِ: اللّهُمّ إِنّ هَذَا جُرَيْجٌ. وَهُوَ ابْنِي. وَإِنّي كَلّمْتُهُ فَأَبَىَ أَنْ يُكَلّمَنِي. اللّهُمّ فَلاَ تُمِتْهُ حَتّىَ تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ.
قَالَ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ.
قَالَ: وَكَانَ رَاعِي ضَانٍ يَاوِي إِلَىَ دَيْرِهِ. قَالَ: فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرّاعِي. فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلاَمًا. فَقِيلَ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: مِنْ صَاحِبِ هَذَا الدّيْرِ. قَالَ فَجَاؤوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ. فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلّي. فَلَمْ يُكَلّمْهُمْ. قَالَ: فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ. فَلَمّا رَأَىَ ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا لَهُ: سَلْ هَذِهِ. قَالَ: فَتَبَسّمَ ثُمّ مَسَحَ رَاسَ الصّبِيّ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَبِي رَاعِي الضّانِ. فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالَوا: نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذّهَبِ وَالْفِضّةِ. قَالَ: لاَ. وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا كَانَ. ثُمّ عَلاَهُ.
حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدّثَنَا يَزِيَدُ بْنُ هَرُونَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ. حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَمْ يَتَكَلّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاّ ثَلاَثَةٌ: عِيسَىَ ابْنُ مَرْيَمَ. وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ. وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا. فَاتّخَذَ صَوْمَعَةً. فَكَانَ فِيهَا. فَأَتَتْهُ أُمّهُ وَهُوَ يُصَلّي. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: يَا رَبّ أُمّي وَصَلاَتِي. فَأَقْبَلَ عَلَىَ صَلاَتِهِ. فَانْصَرَفَتْ. فَلَمّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلّي. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: يَا رَبّ أُمّي وَصَلاَتِي. فَأَقْبَلَ عَلَىَ صَلاَتِهِ. فَانْصَرَفَتْ. فَلَمّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلّي. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: أَيْ رَبّ أُمّي وَصَلاَتِي. فَأَقْبَلَ عَلَىَ صَلاَتِهِ فقَالَتْ: اللّهُمّ لاَ تُمِتْهُ حَتّىَ يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهُ المُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيّ يُتَمَثّلُ بِحُسْنِهَا. فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنّهُ لَكُمْ. قَالَ: فَتَعَرّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ"