(كذلك) إشارة إلى النتيجة التي وصل إليها إبراهيم عليه السلام، والتي كانت من خلال نظره الرشيد في الكون والحياة.
وقد اختلف المفسرون في رؤية إبراهيم عليه السلام لملكوت السموات والأرض، فذكروا أقولًا عجيبة، ليس لها أساس تعتمد عليه، ومن ذلك قولهم: أنه نظر في ملكوت السموات والأرض حتى وصل بنظره إلى عرش الرحمن [1]
ولكن هذه الآيات لا تذكر حال إبراهيم عليه السلام بعد الوحي، إنما تذكر حاله قبل ذلك. فمن خلال استقراء أحوال الأنبياء نجد أن الله تعالى يتعّهدهم بالرعاية ليسلموا من أوضار الشرك والجهالة، والسبيل إلى ذلك هو تصرّفه جل شأنه بعقول (قلوب) عباده، قال صلى الله عليه وسلم:
(ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أٌقامه، وإن شاء أزاغه) وكان رسول الله صلى عليه وسلم يقول (يا مثّبت القلوب ثبّت قلوبنا على دينك) رواه ابن ماجه.
فالمقصود بملكوت السموات والأرض ما يشهده الإنسان من خلقهما،.
قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) } آل عمران: 190 - 191
فكان الأنبياء وعباد الله الأتقياء النظر في ملكوت السموات والأرض مما هو متيسّر للإدراك البشري، وقد ثبت في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى غار حراء في شهر رمضان وحيدًا، ليس له رفيق إلا النظر في خلق السموات والأرض.
ومن ذلك ما كان مع إبراهيم عليه السلام فإنه لم يكن في حاجة إلى أن تفرج له السموات ليرى ما فيها، وليصل نظره إلى عرش الرحمن، فإنما كان يكفيه أن ينظر فيما يسّره جل شأنه للإدراك البشري من خلق السموات والأرض، ويدعم ذلك ما ذكر من آيات بعد تلك الآية، حيث ذُكر الكوكب والقمر والشمس ...
(1) 1 تفسير النسفي: الجزء الثاني ص 30