فهرس الكتاب
(أكوننّ) فإذا كان هناك من ترجمة نفسية للاستعانة بهذه المؤكدات لكانت قولنا: إنه كان يعاني من شدّة وطأة عدم معرفته بربَّه المستحق لأن يعبده، وأن يخضع له:
{لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}
تأكيده لضلالة إن لم يهده ربّه إليه، هو في ذات الوقت تأكيد لأن للكون ربًّا، ولكن كان يريد الإطلاع على أبواب وفصول المعرفة بهذا الرب، فكان أن قال في الكوكب، والقمر، على التوالي
(هذا ربي) وعندما ظهر له أنه لا يليق بهما أو بأحدهما أن يكون ربًا، للقصور الموجود في كلٍّ منهما، جزم بأنه إن لم يهده ربّ هذا الوجود إليه، فسيكون حاله كحال هؤلاء القوم، الذين ضلّوا الطريق إلى الله تعالى.
{فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ}
ولأنه، عليه السلام كان خاضعًا للطبيعة البشرية، رأي كبر حجم الشمس دليلًا على عظم الذات، فقال (هذا ربي) ، ولكنه، عندما رآها تغيب مثل غياب الكوكب والقمر، أدرك أنها لا تملك الصفة الأساس للربوبية، وهي الحضور الدائم في الكون والموجودات، فقال، موجِّهًا الخطاب إلى قومه:
{قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}
إشارة إلى أن القوم كانوا يعبدون الكواكب والنجوم، إضافة إلى عبادة الأصنام، فكان من
(رشده) عليه السلام أن نظر بعين العقل إلى كل تلك المعبودات، فرأى الأصنام لا تأكل ولا تشرب ولا تتكلم، فأنكر أن تكون هذه الأشياء العاجزة في ذاتها قادرة على تدبير أمور الخلق والموجودات، ثم عّرج على السموات، فنظر إلى الكوكب والقمر والشمس، فرأى في غيابها عن الوجود ساعاتٍ طويلة قصورًا فيها، فأنكر أن يكون أحدها ربًا له، لأن الربّ في اعتقاده هو الذي لا يغيب أبدًا، والذي يتجلّى حضوره في استقامة وجود كل المخلوقات. فكان من واجب صفاته أن يكون حاضرًا أبدًا.