ولم يقل عليه السلام، إني أعلم، لأن في ذلك استثارة لحفيظة الأب عن ما يدعي ولده أمامه أنه أعلم منه، بل قال (جاءني من العلم) إشارة إلى أن هذا العلم لم تيّسره له سنواته القليلة أمام سنوات الأب الطويلة، بل أُلْقي إليه إلقاءً من لدن حكيم خبير.
وفي قوله {مَا لَمْ يَأْتِكَ} إشارة إلى أن أباه كان ذا عقل وتدبير ونظر، يخوّله الفصل فيما يعرض له من أمور، فكانت كلمات إبراهيم عليه السلام تنبيهًا له إلى أن العلم الذي جاءه ليس مما هو متيسّر لديه.
وبناءً على هذه الحيثية التي قدمها، قال له:
{فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا}
أي ما عليك إلا أن تؤمن بما أدعوك إليه، لأهديك إلى الطريق السوي الذي لا اعوجاج فيه، وهو شرع الله تعالى.
{يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا}
بعد تلك المقدمات اللينة التي ألقاها إبراهيم عليه السلام أمام أبيه ألقى إليه المحور الأساس لدعوته.
{لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ}
وهو لم يكن يعبد الشيطان بل كان يعبد الأصنام. فما علاقة الأصنام بالشيطان؟
إن عبادة الله تعالى تتمثل أولًا في الاعتراف بوحدانيته، وثانيًا في التزام ما يرضاه من قول وعمل ولذلك فإن عبادة الشيطان تعني أن نفعل ونقول كل ما يريده الشيطان، فإذا عبدت صنمًا، وتركت عبادة الواحد الأحد، فإنك تكون قد عبدت الشيطان بتحقيق الهدف الذي سخر نفسه وذريته له، وهو