صرف الناس عن إخلاص العبودّية لله تعالى. وفي كلمة (الشيطان) مؤشّر على أن القوم كانوا يعلمون من شانه ما تبقّى من أثر الرسالات السابقة في ذاكرتهم.
وبّرر 5 هذا النهي بقوله:
{إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا}
{عَصِيًّا} على وزن (فعيل) وهي صيغة من صيغ المبالغة، أي أنه بلغ من المعصية حدّأً لا مزيد عليه، إذ رفض أمر الله تعالى، وتحدّى إرادته، وحاول، ومازال، أن يصرف الناس عن عبادة الله تعالى، بداية بأبينا آدم 5، وإلى أن تقوم الساعة.
ونلحظ في الآية نسقًا هندسيًا في البناء والدلالة، يدل على نسقٍ عالٍ من التفكير والمنطق:
يا أبت ... لا تعبد الشيطان
إن الشيطان ... كان للرحمن عصيًا
فمن شأن عبادتك للشيطان أن تجعلك مثله (لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا)
{يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}
{أَخَافُ} قيل: إنها بمعنى أعلم.
وشتان مابين الخوف والعلم. إذ الخوف حالة وجدانية تعتري قلب الإنسان بسبب أمرٍ مخيف. ولذلك فإن خوف إبراهيم على أبيه نابع من المصير الذي سيؤول إليه إن لم يؤمن بدعوة الإله الواحد.
{أن يمسسك} إن يصيبك. {عذاب من الرحمن} جاءت كلمة (عذاب) نكرة، والنكرة تفيد العموم، كأن تقول رأيت شجرة، حيث أن السامع سيستحضر في ذهنه كل أنواع الشجر، إذ أن كل واحد منها تخضع الاحتمال أن تكون هي المرئية.