لم يجد أبو إبراهيم من ردٍّ على كل ما ذكره عليه السلام سوى أن يسأله أراغب أنت عن إلهتي أي لا تريد عبادتها، بدون أن يذكر من الحيثيات العقلية أي شيء قد يدعم معتقده.
{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ}
أكّد أبو إبراهيم تهديده بثلاث مؤكدات: لام القسم في بداية الجملة، ونون التوكيد الثقيلة في ... {لأرجمنك} ثم اللام والمقترنة بالفعل، وكان بإمكانه أن يقول: إن لم تنته سأرجمك، ولكنه لم يقل ذلك، بل لجأ إلى كل ما تحتمله الجملة من مؤكدات، ليعبِّر بذلك عن شدّة تمسّكه بعبادة الأصنام، وبغضه الأشد لكل من يتعرض لها بالنكران والتحقير، حتى ولو كان ولده إبراهيم.
وقد يذكرنا هذا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في دعاءٍ له: اللهم إيمانًا كإيمان العجائز. وذلك لأن العجائز يؤمنّ بدون إعمال الفكر في قضايا الإيمان. فكان أبو إبراهيم من هذا النوع، يعبد أصنامه بدون أن يستند في ذلك على منهج فكري.
وقد راعى إبراهيم عليه السلام حالته تلك، فكان يخاطبه بكل لين ورّقة، بدون أن يذم آلهته ذّمًا مباشرًا مثلما كان يفعل مع بقية قومه. ولكن الشقاوة كانت قدرًا لأبي إبراهيم، فلم يكن له من ردٍّ على ولده سوى التهديد الشديد والقسم العنيد على أن لم يكفّ عن تسفيه آلهتهم.
{لَأَرْجُمَنَّكَ}
1 -لأقتلنك بالحجارة، أو لأضربنك حتى تتباعد.
2 -أو لا شتمنك [1]
أما الشتم فإنه لا يليق، لأن إبراهيم، وإن خالفه فيما يعبد، يبقى منه، فإذا شتمه فإن الشتم سيصيبه هو أيضًا. وأما القتل أيضًا فأنه لا يليق، لأن ذكر بعد ذلك {واهجرني مليا} فكيف يهجره بعد أن يقتله؟
(1) تفسير النسفي: الجزء الثالث ص60