{قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ}
لو كان القوم رافضين لمنهج العقل والمنطق الذي أتاهم به إبراهيم عليه السلام، لا تهّموه صراحةً باللعب. ولكنهم، لمعرفتهم به، لم يُقبلوا على ذلك مباشرة، إشارة إلى أن سيرته عليه السلام، في قومه كانت سيرة الصادقين، فلم يعهدوا عليه كذبًا، تمامًا كما كان الحال مع محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يُلقّب بالصادق الأمين، فأراد يومًا أن يستعين بصفته هذه في دعوة قومه، فقال:
(أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مُصّدقيّ) قالوا: ما جّربنا عليك كذبًا رواه مسلم.
فكان، صلى الله عليه وسلم، مشابهًا لأبيه إبراهيم عليه السلام في هذه الصفة، فكان خليل الرحمن ذا سيرة صادقة في قومه عليه السلام، وبناءً على ذلك فإن إبراهيم عليه السلام لم يصل إلى حالة القسم إلا بعد أن استنفذ كل أشكال الحوار العقلي مع القوم، وعندما لم يجد منهم سوى الصدّ والرّد والعناد، لجأ إلى شكل آخر من أشكال المواجهة وهو الكيد لأصنامهم.
{لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ}
أعلن إبراهيم عليه السلام على مسمعٍ منهم جميعًا أنه سيكيد أصنامهم، بدون أن يرى القوم في ذلك ما يستدعي مراقبته أو حبسه أو حراسة الأصنام، فلم يَرْقَ ظنهم إلى أنه سيحطم آلهتهم، إضافة إلى اعتقادهم أن إلوهية وربوبية هذه التماثيل ستكون كفيلة برد كل يريده إبراهيم بها.
ثمّ إن إبراهيم عليه السلام، لم يقل إنه سيحطّم هذه التماثيل، بل قال إنه سيمارس كيلًا عليها، والكيد يأخذ أشكالًا عديدة، ولكنه لم يّرْقَ في أذهانهم إلى أنه سيحطّمها.
{بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ}
التولي: هو الانصراف عن أمر كنتُ مْقبلًا عليه، وهذا مافعله القوم مع إبراهيم عليه السلام، ولم يكن توليهم هذا إلا إدبار عنه وعن دعوته عليه السلام.