فهرس الكتاب
وبين الكلمتين (التولّي والإدبار) علاقة وثيقة في مجال الإعراض عن دعوة الله تعالى، ولذلك تكرّر ورودها في القرآن الكريم، قال تعالى:
{تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} المعارج: 17
حيث قدّم الإدبار على التولِّي.
ومع ذلك، فإنه لا تعارض بين الصياغتين، ففي قوله (أدبر وتولى) جاء حرف العطف الواو، ليعطف الفعل الثاني على الأول، والعطف بالواو يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في حكم واحد أو في زمن واحد، فكان في ذلك دليلًا على أن الإدبار جاء مترافقًا مع التولي، ولكنه كان تاليًا له من خلال وعندما جاءهم بما ينفي الإلوهية عن تماثيلهم، منعتهم سيرته فيهم من أن يصفوه مباشرة باللعب، فسألوه ذلك السؤال الذي وضعه بين أمرين: الحق واللعب. ونلاحظ أيضًاَ أنهم لم يأتوا بالكلمة المقابلة للحق، وهي (الباطل) ، احترامًا لسيرته التي تمنعهم من ذلك، فذكروا اللعب الذي قد يكون كذبًا مقصودًا، وقد يكون مداعبة من المداعبات.
فإبراهيم عليه السلام، في نظرهم، لا يقول إلا الحق، فإذا قال شيئًا يتعارض مع الحق الذي يعرفونه، فإنما هو لعب وممازحة.
{قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}
{بال} حرف عطف، يفيد الإضراب عّما قبل، الإثبات لما بعده، فكان الإضراب عن كونه لاعبًا فيما ألقاه إليهم من كلمات. والإثبات لربوبيته الله تعالى الذي بيده ملكوت السموات والأرض،
{رب السموات والأرض} القائم عليها بالحفظ والرعاية، لأنه هو الذي {فطرهن} أي أوجدهنّ ابتداء، ولم يشاركه في خلقهن أحد.
{وأنا على ذلكم من الشاهدين} الشاهد هو الذي يملك من العلم المُشَاَهَد ما يجعله صاحب القول الفصل فيما شاهده. ولكنه عليه السلام، لم يشهر خلق السموات والأرض بحواسِّه، ليكون من الشاهدين، فقد كانت شهادته على ذلك قائمة على إيمانه اليقيني بالخير الذي ألقاه إليه رب العالمين.