فهرس الكتاب
{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ}
إن الحوار الذي أورده جل شأنه فيما سبق، لم يكن هو كل ما دار بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه. فقد اكتفى جل شأنه بالمحاور الرئيسية في الحوار، تاركًا للعقل مهمة استنباط ما بين تلك المحاور. لا يحمل من الكمّ الدلالي ما يجعل إبراهيم عليه السلام، يصل إلى درجة القسم بأن يكيد أصنامهم. فالأنبياء هم أكثر عباد الله صبرًا على الجدال والمحاور. ومن بينهم كان إبراهيم عليه السلام النظر إلى ترتيبهما في الجملة
وأمّا في قوله (بعد أن تولوا مدبرين) فقد جاءت (مدبرين) حالًا، أي أن توليهم لم يتحقق إلا في ظل وجودهم في حالة الإدبار، ولولا إدبارهم لما عُرِف توليهم، فكان إلادبار أولًا والتولي ثانيًا
{فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}
أي جعلهم قِطَعًا، من الجذع وهو القطع، ولم يكن الكيد للأصنام فقط، بل ولعابدتها:
1 -فكيده للأصنام هو تحطيمه إيّاها، وإلصاق الفعل بكبيرهم (بل فعله كبيرهم هذا) فإذا اقتنع القوم بذلك، يكون عليه السلام، قد حقق بذلك هدفين اثنين: الأول تحطيم تلك الأصنام وإزالة هياكلها من الوجود، والثاني: تحطيم مكانة كبيرهم في قلوب عابديه.
2 -وكيده للقوم كان من خلال استعانته بما يعتقده القوم في تلك التماثيل، للوصول إلى الحجة العقلية الدامغة، والتي ليس ردّها من سبيل، والتي تتجلّى في قوله:
{لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}
لعلّ للترجّي، أي أنه عليه السلام كان يرجو أن يرجع القوم في سؤالهم إليه، ومما قيل في تفسير الضمير في قوله {إليه}
1 -إلى الكبير فيسألونه عن كسرها.
2 -أو إلى إبراهيم، ليحتّجّ عليهم.
3 -أو إلى الله لما رأوا عجز آلهتهم.