فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 234

يعتقدون أن آلهتهم تفعل وتفعل وتفعل، وتتحكم في مصائرهم كما تشاء، فكيف لا يتحكم كبير الآلهة في مصائر الآلهة الصغيرة؟

{فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}

السؤال لا يُطرح إلا إذا كان هناك من يجيب، فدعاهم إلى سؤال كبير الآلهة والآلهة المحطّمة عّمن حطّمها، فإذا أدركوا أنها لا تملك ردًّا ولا جوابًا ولا كلامًا، كان في ذلك حجة لإبراهيم على قومه. يردهم بها عن عبادة الأصنام ويؤيِّد بها ما يدعوهم إليه.

فعندما دعائهم عليه السلام إلى سؤال الآلهة، كانت البلبلة لدى القوم، والصمت الناتج عن ضعف الحجّة، بل عن انعدامها، فتوقفوا عن الحوار مع إبراهيم عليه السلام، وبدئوا الحوار فيما بينهم، فقالوا:

{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ}

فرجعوا إلى عقولهم وتنكروا بقلوبهم [1] لأن حجة إبراهيم عليه السلام، القائمة على الدليل المادي الملموس، كانت أقوى من كل جدال ومن كل خطاب فقالوا لأنفسهم

{إنكم أنتم الظالمون} أسندوا الظلم إلى أنفسهم بعد أن أسندوه في الآيات السابقة إلى من حطّم آلهتهم. ولا مجال لتفسير الظلم الذي رأوه في أنفسهم إلا بما اعتقدوه من إلوهية هذه التماثيل، التي لا تنطق، ولا تدفع عن نفسها ضرًا، فكيف تدفعه عن الآخرين؟!

فكانت هذه الجملة بداية الطريق إلى الإيمان بدعوة إبراهيم عليه السلام، فأوشك كيده عليه السلام، أن يُؤتي ثماره:

{ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}

قال أهل التفسير: أجري الله تعالى الحق على لسانهم في القول الأول، ثمّ أدركتهم الشقاوة، أي رُدّوا إلى الكفر بعد أن أقرّوا على أنفسهم بالظلم. يُقال: نكسته، أي قلبته إذا جعلت أعلاه أسفله، أي أنهم

(1) تفسير النسفي: الجزء الثالث ص 126

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت