فهرس الكتاب
استقاموا عندما رجعوا إلى أنفسهم، وجاءوا بالفكرة الصالحة {إنكم أنتم الظالمون} ثم انقلبوا عن تلك الحالة، فأجدوا في المجادلة بالباطل والمكابدة [1]
وبُني الفعل {نٌكِسوا} للمجهول، فحذف الفاعل الذي قام بفعل المنكس وهو الشيطان ونفوسهم الأمَّارة بالسوء، وكان من آثار هذا النكس:
{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}
من حيث لا يعلمون شهدوا على آلهتهم بأنها لا تنق، وعلى أنفسهم بالضلال، إذ يعبدونها وهم يؤمنون بعدم قدرتها على النطق. ولم يكن إقرارهم بهذه الحقيقة طعنًا في إلوهية أصنامهم، لأن الله تعالى أخبر عن انتكاستهم بهذه الجملة، وليس لهذه الكلمات أن تكون مظهرًا من مظاهر انتكاستهم إلا إذا كانت دفاعًا عنها وعن عبادتهم لها، لا أن تكون ذّمًا لها.
ولذلك فإن الحقيقة التي ذكروها تندرج في سياق إرادتهم القول بأن هذه التماثيل آلهة، ولكنها آلهة لا تتكلم.
أما إبراهيم عليه السلام فقد رأى فيما قالوه مستندًا عقليًا، يستند عليه في هجومه الفكري التالي:
{قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ}
صيغة السؤال توحي بأن القوم أدركوا من خلال حوارهم مع إبراهيم عليه السلام أن آلهتهم لا تضرهم شيئًا. ولا تنفعهم في ظل عدم قدرتها على ردّ الضرر الواقع عليها، فكان في سؤاله هذا تقريع وتوبيخ لهم على استسلامهم لعبادة مالا يملك لهم ضرًَّاَ ولا نفعًا
{أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
أفّ: صوت إذا صُوّت به عُلِم أن صاحبه متضجّر، أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم، وبعد وضوح الحق [2]
1 -إن الحوار الوارد في الآيات لا يوحي بوصوله عليه السلام إلى الضجر من إصرارهم على عبادة تلك الأصنام، لأن الدعوة إلى الله تعالى تحتاج إلى نفس طويل لا يقف عند حدّ تلك الآيات المذكورة،
(1) تفسير النسفي: الجزء الثالث ص 127
(2) تفسير النسفي: الجزء الثالث ص 127